“العدوان الخَبالي” عند الإنسان مقارنةً ب “العدوان الطبيعي” عند الحيوان

الإنسانُ كائنٌ طاغية، ولذلك قالَ اللهُ تعالى فيه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق). ويُخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ “طغيانَ الإنسان” الذي تُشيرُ إليه هذه الآيةُ الكريمة يقتصرُ على جانبٍ دون آخر من جوانبِ شخصيته! وهذا ما بوسعنِا أن نجدَ عليه الكثيرَ من الدلائلِ والبراهين، وذلك بتدبُّرِنا ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من آياتٍ كريمة تُفصِّلُ وتُبيِّنُ مدى تمكُّنِ الطغيان من الإنسان: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا. لِلطَّاغِينَ مَآبًا) (21- 22 النبأ)، (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ) (55- 56 ص)، (فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (37- 39 النازعات)، (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ) (30 الصافات)، (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (52- 53 الذاريات)، (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (32 الطور)، (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) (30- 31 القلم)، (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (24 طه)، (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) (11- 13 الفجر)، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى) (52 النجم)، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا) (11 الشمس).
ولذلك فلقد نهى اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين آمنوا عن الطغيان بكافةِ أشكالِه وألوانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (112 هود)، (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) (81 طه)، (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَان) (7- 9 الرحمن).
ومن معالمِ طغيانِ الإنسان هو هذا الذي هو عليه من عدوان، والذي يقدِّمُ أعظمَ برهان على أن الإنسانَ لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ أصلَه الوحيد هو الحيوان! فالحيوانُ لا يطغى في عدوانِه كما يطغى الإنسان! ولو كان الحيوانُ يطغى في عدوانه كما يطغى الإنسان لما بقيَ على وجه البسيطة حيوانٌ ولا إنسان، إذ كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن يبيدَ الحيوان بسببٍ من هذا العدوان! ولذلك فإن عدوانَ الإنسان يكفي دليلاً على الإخفاقِ الذريع الذي انتهت إليه نظريةُ التطور الداروينية التي قصَرت بحثَها عن أصل الإنسان على الحيوان! فكيف يكونُ الحيوان هو الأصلُ الوحيد للإنسان، والعدوانُ في عالم الحيوان منضبطٌ بما بثَّه اللهُ تعالى فيه من السُّنَنِ والقوانين التي جُبِلَ الحيوانُ على ألا يحيدَ عن التقيُّدِ بها طالما كانت هي الحدودَ التي ما خلقَه اللهُ تعالى ليتجاوزَها ويتعداها! فالإنسانُ، بطغيانِه المبين في كلِّ شيء ومن ذلك طغيانُه في العدوان، لا يمكنُ أن يكونَ كائناً طبيعياً حتى يكونَ أصلَه الوحيد هو الحيوان!
لقد كان يكفي نظريةَ التطور الداروينية أن تتدبَّرَ في هذا الذي هو عليه الإنسانُ من طغيانٍ في العدوان لتخلُصَ إلى أنها لا ينبغي لها أن تقصُرَ بحثَها عن أصلِ الإنسان على الحيوان، وأنَّها مضطرةٌ بالتالي إلى الالتجاءِ إلى دينِ الله الذي وحدَه مَن بمقدورِه أن يُعلِّلَ لهذا الطغيانِ في العدوان الذي جُبِلَ عليه الإنسان!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s