لماذا يُدينُ اللهُ تعالى في بعضِ الأحايين الخلَف بما كسبتهُ أيدي السَّلَف؟

خاطبَ القرآنُ العظيم اليهودَ من معاصِري رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بما يُفهَمُ منه أنَّهم كانوا مع مَن سبقَهم من أسلافِهم الأولين الذين كانوا قومَ سيدِنا موسى عليه السلام. ويتبيَّنُ لنا ذلك واضحاً جلياً بتدبُّرِ ما جاءتنا به الآياتُ الكريمةُ التالية:
1- (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (49- 50 البقرة).
2- َإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (54- من 57 البقرة).
3- (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (63- 64 البقرة)،
ولم يكتفِ القرآنُ العظيم بمخاطبةِ اليهودِ من مُعاصري رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بصيغةٍ تُشرِكُهم فيما حدثَ لآبائهم الأولين قومِ سيدِنا موسى عليه السلام، ولكنه أدانهم أيضاً بما كسبتهُ أيدي أسلافِهم الأولين هؤلاء فحمَّلهم وِزرَ قتلِ أنبيائِه الذين كانوا قد قُتلوا على يدِ آبائهم الأولين (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (من 91- 92 البقرة). فلماذا حمَّلَ اللهُ تعالى الأبناءَ وِزرَ الجنايةِ التي ارتكبها الآباء؟
تكمنُ الإجابةُ على هذا السؤال في صُلبِ الحقيقةِ التي لابد لنا من أن نُقِرَّ بها، وإلا كان في الأمرِ ما لا يستقيمُ مع ما جاءنا به القرآنُ العظيم من ضوابطَ ومُحدِّداتٍ أجملَها بما وردَ في آياتِه الكريمةِ التالية: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (من 164 الأنعام)، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (39 النجم)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (من 18 فاطر).
فاللهُ تعالى حمَّلَ الأبناء وِزرَ ما فعلَه آباؤهم، وذلك لأنهم كانوا سيفعلون الأمرَ ذاته لو أنَّهم كانوا مكانهم. فالقومُ “تشابهت قلوبُهم” ما بين أبناءٍ وآباء، ولذلك كان حُكمُ اللهِ تعالى على الأبناءِ هو حُكمُه على الآباء!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s