من هم الذين خاطبهم اللهُ تعالى بقولِه “قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ”

يُصِرُّ كثيرٌ منا على قراءةِ القرآنِ العظيم دون تدبُّرٍ لآياتِه الكريمة، التي أنزلَها اللهُ تعالى بلسانٍ عربيٍّ مبين، ظناً وتوهماً بألا فرقَ هنالك ولا تمايُزَ بين اللسانِ القرآني ولسانِنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه على مرِّ الأعوامِ والسنين! فلسانُ القرآنِ العربيُّ المبين ذو خصائصَ إن نحن لم نقدِرها حقَّ قدرِها عادَ ذلك علينا بما هو كفيلٌ بأن يجعلَنا عاجزين عن الوقوعِ على المعنى الذي تنطوي عليه آياتُه الكريمة. ولقد نجمَ عن إصرارِنا هذا على قراءةِ القرآنِ العظيم دون تدبُّرٍ لآياتِه الكريمة بلسانِه العربي المبين، ما حتَّم علينا وجوبَ أن نُخفِقَ في تبيُّنِ الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ القواعدَ والأحكامَ اللغويةَ، التي افترضنا ألا قيامَ للغةِ العربيةِ إلا بها، ليس لها أيُّ سلطانٍ على اللغةِ التي نزلَ بها قرآنُ اللهِ العظيم. فلسانُ القرآنِ العربيُّ المبين لا يتقيَّدُ إلا بقواعدِه هو وأحكامِه. وهذه القواعدُ والأحكام قد تجيءُ أحياناً موافقةً لما افترضناه من قواعدَ وأحكام، وقد تشذُّ عنها أحياناً أخرى. ولذلك فإنَّ الوصولَ إلى المعنى الذي تشتملُ عليه هذه الآيةُ الكريمة، أو تلك، يقتضي منا ألا نُحكِّمَ فيها قواعدَنا اللغويةَ وأحكامَنا، وأن نحتكمَ عوضَ ذلك إلى الأحكامِ والقواعدِ اللغويةِ التي يمتازُ بها قرآنُ اللهِ العظيم.
فلقد خاطبَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بقولِه (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (11 الأعراف). وكلُّنا يعلمُ أنَّ مَن خلقَه اللهُ تعالى ثم صوَّره ثم قال للملائكةِ أن يسجدوا له، هو آدم! وخطابُ اللهِ تعالى لنا هذا يستندُ إلى الحقيقةِ التي مفادُها أنَّنا كلَّنا جميعاً أبناءُ آدم، فيحقُّ لنا والحالُ هذه أن يخاطبَنا اللهُ تعالى بقولِه (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ). وهذه ميزةٌ يمتازُ بها لسانُ القرآنِ العربي المبين الذي يخاطبُ الإنسانَ الأولَ بذاتِ الكلماتِ التي يخاطبُ بها ذريَّتَه التي ما كان لها أن ترى النورَ لولاه.
ويتبيَّنُ لنا هذا الذي يمتازُ به خطابُ القرآنِ العربيُّ المبين، من أنه يشملُ الذريةَ شمولَه أباها، واضحاً جلياً في قولِه تعالى (قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (11 الأعراف). فاللهُ تعالى إذ توجَّهَ إلى أبوَينا، آدمَ وزوجِه، بقولِه هذا، فإنه قد شملَ ذريَّتَهما به، وذلك لأنَّ ما جرى عليهما سيطالُ لا محالةَ ذريَّتَهما أيضاً.
وبذلك يتبيَّنُ لنا ألا ضرورةَ هنالك على الإطلاق للافتراضِ بأنَّ اللهَ تعالى قد خاطبَ آدمَ وزوجَه بـ “صيغة الجمع” وهما بشرَان اثنان! فالقولُ بأن صيغةَ الجمع هذه تُبرِّرُ لها حقيقةُ كونِ “الخطابِ الإلهي هنا مُوجَّهٌ إلى أبليس الذي أغواهما توجُّهَه إليهما”، هو تعسُّفٌ لا مُسوِّغَ له البتة أما وقد تبيَّنَ لنا أنَّ اللهَ تعالى قد خاطبَ بَني آدم كلَّهم جميعاً بقولِه الذي توجَّه به إلى أبوَيهم آدمَ وزوجِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s