الإنسانُ مُجادِلٌ أثيم وخصيمٌ مُبين

يُحسِنُ الإنسانُ الظنَّ بعقلِه إذ يُوكِلُ إليه أمرَه، وما درى أنَّه بذلك قد أوكلَ إلى نفسِه أمرَه فكانَ عليه أن يدفعَ الثمنَ زَيغاً عظيماً وضلالاً مبيناً! ومن بين تبِعاتِ هذا الذي جرَّهُ على الإنسانِ اتِّباعُه لعقلِه أن أضحى مجادلاً خصيماً! ولقد وصفَ اللهُ تعالى الإنسانَ فعرَّفَه بما يُغني عن كلِّ تعريفٍ آخرَ له، وذلك بقولِه (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الإسراء).
واللهُ تعالى إذ يصِفُ الإنسانَ بهذا الذي هو عليه من عظيمِ شغفٍ وافتتانٍ بالجدال، فإنَّه إنما يُعرِّفُ الإنسانَ التعريفَ الذي يُوفيه حقَّه ومستحقَّه؛ كيف لا وهو الذي خلقَه وهو بالتالي أعلمُ به من عقله الذي يفاخرُ به ويتباهى (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (14 المُلك).
ولقد فصَّلَ لنا قرآنُ اللهِ العظيم شغفَ الإنسانِ هذا بالمجادلةِ والجدال، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ بعضاً مما وردَ فيه بهذا الشأن: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) (من 13 الرعد)، (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) (من 56 الكهف)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِير) (8 الحج)، (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (من 25 الأنعام)، (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ) (من 6 الأنفال).
ولقد عادَ على الإنسانِ إيثارُه للجدالِ والمجادلة أن جعلَه ذلك يجتذبُ إليه من يترصَّدُه ويتربَّصُ به من شياطينِ الجِن الذين حذَّرنا اللهُ تعالى منهم بقولِه فيهم وفي الشيطان (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) (من 27 الأعراف). فالإنسانُ المجادِلُ بغيرِ التي هي أحسن هو ذاك الذي وصفَ القرآنُ العظيم حالَه مع الحقِّ بقولِه تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ. كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (3- 4 الحج)، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (من 121 الأنعام).
ولقد جعلَ تولُّعُ الإنسانِ بالجدالِ والمجادلة منه يخاصمُ الحقَّ خصاماً لا ينبغي له وهو الذي خُلِقَ ضعيفاً (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). ومن ذلك تجاسرُه على اللهِ تعالى إنكاراً للبعثُ وتشكيكاً منه فيما جاءه به دينُ اللهِ تعالى من الأدلةِ والبراهين على أنَّ الساعةَ حقٌّ وأنها آتيةٌ لا ريب فيها. ويتبيَّنُ لنا ذلك واضحاً جلياً بتدبُّر قولِ اللهِ تعالى (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (4 النحل). وهذا الإنسانُ الذي نسيَ خلقَه فظنَّ أنَّ بمقدورِه أن يُجادلَ اللهَ تعالى في البعثِ والقيامة، ويخاصمَه الخصامَ المبين بشأنِ ما جاءه به من الأدلةِ والبراهين على حقيقةِ يومِ الدين، هو الذي توجَّه إلينا به اللهُ تعالى بما جاءتنا به سورةُ يس (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (77- 78 يس).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s