في معنى قولِهِ تعالى “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”

نهى اللهُ تعالى عبادَه عن الكِبر، وبيَّنَ لهم ما ينتظرُ المتكبرين من سوءِ العاقبة (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (28- 29 النحل). فالتكبُّرُ يعودُ على المرءِ بما يجعلُ منه عاجزاً عن تبيُّنِ الحق، فينتهي به الأمرُ بعدها إلى الوقوعِ فريسةً لضلالاتِ النفسِ وأراجيفِ الهوى. فالإنسانُ لم يُخلَق لهذه الدنيا حتى يكونَ له أن يتبيَّنَ العلةَ من وراءِ أوامرِ اللهِ تعالى! وكلُّ إنسانٍ يُرجِئ اتِّباعَه لهَديِ اللهِ حتى يتبيَّنَ العلةَ من وراءِ ما أمرَه اللهُ به من العباداتِ والطاعات، سينتهي به الأمرُ لا محالة إلى ما انتهى إليه إبليسُ من تمرُّدٍ وعصيانٍ أوجبا عليه أن يُخرَجَ من الجنةِ مَذْءُومًا مَدْحُورًا.
فإبليسُ لم يُخلَق حتى يكونَ له أن يعلمَ أنَّ اللهَ تعالى إذ أمرَ الملائكةَ بأن يسجدوا لآدم، فإنما كانت العلةُ من وراءِ أمرِه هذا هي تبيانُ هذا الذي هو عليه آدمُ من “أفضليةٍ مطلقة” استحقَّ بمقتضاها أن يسجدَ له إبليسُ كما سجدت الملائكة! فاللهُ تعالى لم يُبيِّن العلةَ من وراءِ أمرِه للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم حتى يقولَ إبليسُ ما حفظته لنا الآيةُ الكريمة 62 من سورة الإسراء (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ). فإبليسُ هو الذي توهَّمَ أنَّ السجودَ لآدم إنما هو تفضيلٌ لآدمَ وتكريمٌ له عليه! ولو أنَّ إبليس ما سعى مجادلاً ليتبيَّنَ العلةَ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم، لسجدَ معهم ولما كان ليعصِيَ اللهَ فيستحقَّ بذلك أن يُخرِجَه اللهُ من الجنة! غيرَ أنَّ اللهَ تعالى كان يعلمُ ما كان يعتملُ في صدرِ إبليس من الكِبرِ والتكبُّرِ، فكان أن أصدرَ أمرَه بالسجودِ لآدمَ حتى يَميزَه من الملائكةِ، وذلك من بعدِ أن يضطرَّه إلى التصريحِ بما كان حريصاً الحرصَ كلَّه على إضمارِه وكتمانِه.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الطريقةَ المثلى للتعاملِ مع أوامرِ الله هي بأن نجتهدَ في إطاعتِها والعملِ بها، وألا نجتهدَ في التعليلِ لها ساعينَ لتبيُّنِ العلةِ من ورائها، فيكونَ حالُنا مع اللهِ تعالى حينَها حالَ إبليس الذي انتهى به تكبُّرُه إلى أن يخرجَ على اللهِ تعالى الخروجَ الذي جعلَه يُخرَجُ من الجنةِ بعيداً عن اللهِ إلى أبدِ الآبدين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s