في معنى قولِهِ تعالى “فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ”

يُبالغُ أعداءُ اللهِ تعالى في حقدِهم المُشين على دينِه القويم وقرآنِه العظيم ورسولِه الكريم عليه أفضلُ الصلاةِ والتسليم، لا عن جهالةٍ وضلالة، ولكن عن إصرارٍ على مناصبةِ كلِّ ما يدعوهم إليه اللهُ من اتِّباعٍ للحقِّ وإعراضٍ عن الباطل! وإلا فلماذا كلُّ هذا الإمعانِ في التربُّصِ والترصُّدِ لكلِّ ما وردَ في قرآنِ اللهِ العظيم من كلماتٍ يظنُّ هؤلاءِ الحاقدون المُغرِضون أنَّ بوسعِهم أن يُبرهنوا بها على أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عند الله؟! فلو أنَّ القومَ تدبَّروا القرآنَ، دون اقتطاعٍ أو تبعيضٍ أو اجتزاءٍ لآياتِه الكريمة عن سياقِها القرآني، لتبيَّنَ لهم أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عند غيرِ الله.
وفي هذا المنشور سوف أكتفي بإيرادِ مثالٍ واحدٍ على هذا الذي هم عليه أعداءُ القرآنِ العظيم من حقدٍ دفينٍ ومنطقٍ سقيم، إذ يجتزأونَ الكَلِمَ القرآني من سياقِهِ ظناً منهم وتوهماً أنَّ ذلك سيُمكِّنُهم من الطعنِ في هذا القرآن الذي لو أنَّهم تعاملوا معه “التعامُلَ المعرفيَّ الصائب” لكان خيراً لهم! وهذا المثالُ هو ما دأبَ عليه أولئك الذين ناصبوا القرآنَ العظيمَ العداء من افتراءٍ مفادُه أن “كيف يُعقَلُ أن يكونَ هذا القرآنُ من عند الله وفيه تحريضٌ للرجالِ على النساء، ودفعٌ لهم إلى إحكامِ سيطرتهم عليهن، حتى وإن اقتضى الأمرُ أن يُصارَ إلى ضربهن؟”! والقومُ هنا يُشيرون إلى مقطعٍ قرآني كريم بِعينه هو “فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ” (من 34 النساء).
وهذا المقطعُ الكريم أما وقد اجتُزئَ واقتُطِعَ من سياقِه القرآني، فإنَّ مَن يتلقَّاهُ، مستمعاً له أو قارئاً، لابد وأن يُخالجَه إحساسٌ بالإشفاقِ على النساءِ اللائي هذا هو حالُهن مع أزواجِهن. ولو أنَّ المتلقِيَ عادَ إلى النَصِّ القرآني الكريم، فقرأَ السياقَ الذي يرِدُ خلاله هذا المقطع الكريم، لما كان بالعسيرِ عليه أن يخلصَ إلى أنَّ في الأمرِ افتراءً وتدليساً يبرهنُ عليهما ما سبقه من كلامِ اللهِ تعالى وما جاء بعده: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (من 34 النساء).
إذاً فالأمرُ الإلهي القاضي بضربِ النساء لا يشملُ النساءَ كلَّهن جميعاً، وذلك لأنه اختصَّ طائفةً من النساء فصَّلت لنا هذه الآيةُ الكريمة وبيَّنت صِفتَّهن بما وردَ فيها من قولِ اللهِ تعالى “وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ”. كما أنَّ هذا الأمرَ الإلهي مشروطٌ أيضاً بقولِه تعالى “فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا”. إذاً فهو ليس أمراً مطلقاً دونما قيدٍ أو شرط، وذلك طالما كان محدَّداً بما فصَّلَه قولُه تعالى هذا وبيَّنه.
وهنا لابد من أن أُشيرَ إلى أنَّ أمرَ اللهِ تعالى هذا، والقاضي بضربِ الناشزات من النساء، هو أمرٌ يخصُّ زمن البعثةِ النبويةِ الشريفة ويقتصرُ عليه ولا يتعداه. وهو أمرٌ يندرجُ ضمن سياقٍ إلهيٍ من أوامرَ إلهيةٍ أخرى حدَّدَها القرآنُ العظيم بمُحدِّدٍ زماني فجعلها واجبةَ التنفيذ ما بقيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم في أصحابِه. والعلةُ الكامنةُ من وراءِ هذا التحديدِ القرآني لهذا الأمرِ بضربِ الناشزاتِ من النساء، وغيرِه من الأوامرِ ذاتِ الصلة، إنما يعودُ إلى أنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كان حاميَ نساءِ المؤمنين ومناصرَهم والمدافعَ عن حقوقِهن. فلم يكن لزوجٍ أن يُبالغَ في أمرِ اللهِ تعالى القاضي بضربِ الناشزاتِ من النساء وهو يعلمُ أن بوسعِ زوجتِه أن تذهبَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم فتشتكيَه. وما أمرُ المرأةِ “المجادِلة” عنا ببعيد، وقد أفردَ قرآنُ اللهِ العظيم لها سورةً سماها “المجادِلة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s