ومن مُعجزاتِ الأنبياءِ ما اختصَّهم اللهُ بها فضلاً منه ورحمة

أيَّدَ اللهُ أنبياءه المُرسَلين بآياتٍ لا يملكُ حِيالَها العقلُ، السليمُ من آفاتِ النفس، غيرَ أن يُقِرَّ بأنَّها لا يمكنُ أن تكونَ إلا من عند الله، وبأنَّ مَن جاءهم بها هو مُرسَلٌ بالحقِّ من عند الله. ومن ذلك الآياتُ التسع التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها سيدَنا موسى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين) (12 النمل). وكذلك الآياتُ التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها سيدَنا عيسى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) (من 110 المائدة)، (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (49 آل عمران). وكذلك الناقةُ التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها سيدَنا صالح (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) (من 64 هود).
والآن، إذا كان بإمكانِنا أن نُعلِّلَ لما تقدَّمَ ذكرُه من الآيات بأنَّ اللهَ تعالى ما أرسلَها إلا تأييداً لسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا صالح عليهم السلام، وتبياناً بأنهم مُرسَلون بالحقِّ من عنده، فما قولُنا في المعجزاتِ التي فصَّلتها آياتُ سورةِ الأنبياء، وهي “خوارقُ عاداتٍ” لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيد بهذا التأييد، وذلك طالما كانت استجابةً من اللهِ تعالى لدعاءِ أنبيائه، أو انتصاراً لهم؟ فاللهُ تعالى نجَّى سيدَنا إبراهيم من النارِ التي ألقاهُ قومُه فيها (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (69 إبراهيم). وهذه آيةٌ لم يستهدف اللهُ تعالى بها قومَ إبراهيم الكافرين، إذ انها استهدفت مَن وصفت حالَهم مع اللهِ تعالى الآيةُ الكريمة 24 العنكبوت (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
وهذا ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآياتِ الكريمةِ التالية من سورةِ الأنبياء:
1- (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) (74 الأنبياء).
2- (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) (76- 77 الأنبياء).
3- (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (من 79- 80 الأنبياء).
4- (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (81- 82 الأنبياء).
5- (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (83- 84 الأنبياء).
6- (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (87- 88 الأنبياء).
7- (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (89- 90 الأنبياء).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن ليست كلُّ معجزاتِ الأنبياءِ كانت العلةُ من ورائها هي تأييدَ اللهِ لهم، وبرهاناً من لدنه على أنَّهم مُرسَلون بالحقِّ من عنده حقاً، فكثيرٌ من معجزاتِ الأنبياءِ كانت تجلياتٍ لفضلِه تعالى الذي اختصهم به.
وبذلك يصبحُ بمستطاعِنا أن ندحضَ ونفنِّدَ تلك المزاعمَ والدعاوى التي تجاسرت على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بالقولِ “إنَّ اللهَ تعالى لم يختصه بمعجزاتٍ غير معجزةِ القرآن”! فلقد بيَّنت لنا سورةُ الأنبياء أنَّ اللهَ تعالى يختصُّ مَن يشاءُ من أنبيائِه المُرسَلين بمعجزاتٍ لا علاقةَ لها بإثباتِ كونِهم مُرسَلين منه، وذلك طالما كانت العلةُ من اختصاصِه لهم بها موصولةً بفضلِه العظيم الذي يؤتيه مَن يشاءُ من عبادِه. فإذا كان القرآنُ العظيمُ هو المعجزةُ الوحيدةُ التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها رسولَه الكريم، وهو يواجهُ المشركين من قومِه والذين كفروا من أهلِ الكتاب، فإنَّ ذلك لا يلزمُ عنه وجوبُ ألا تكونَ له صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم معجزاتٌ أخرى مَنَّ اللهُ تعالى بها عليه فضلاً منه ورحمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s