ما هو “النسيءُ” الواردُ ذكرُهُ في قَولِ اللهِ تعالى “إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ”؟

ما كان الله تعالى ليدَعَ الإنسانَ وحيداً دون أن يمدَّ إليه يدَ رحمتِه لتنتشلَه من غياهبِ الجهالات ومتاهةِ الضلالات. فالإنسانُ عاجزٌ بمفردِه عن أن يتبيَّنَ حلالَ الأمورِ وحرامَها. ولذلك فلقد كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن يُرسِلَ أنبياءَه المرسَلين برسالاتِه التي بيَّنَ للناسِ فيها حلالَهم وحرامَهم. ولقد سمَّى اللهُ تعالى الحدودَ الفاصلةَ بين حلالِه وحرامِه تسميةً يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرُها هذا الذي هي عليه من عظيمِ القدرِ ورفعةِ الشأن. فالذي يفصلُ بين الحلالِ والحرام “حدودُ الله”؛ هذه الحدودُ التي توعَّدَ اللهُ كلَّ مَن لا يقدِرُها حقَّ قدرِها، فيتعداها ويتجاوزُ عليها، بنارِ جهنم (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين) (14 النساء).
ومن “حدودِ الله” ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا ما جاءتنا به سورةُ التوبة في الآية الكريمة 36 منها (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ). فلقد حرَّمَ اللهُ تعالى شهوراً أربع لم يُجِز فيها القتالَ مهما كانت الأسبابُ الداعيةُ إلى ذلك، وذلك قبل أن يُجيزَ اللهُ تعالى ذلك، وذلك في قولِه تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (217 البقرة).
غير أنَّ العربَ في الجاهلية لم تقدِر حدودَ اللهِ حقَّ قدرِها، ولا رَعَت حُرُماتِ اللهِ حقَّ رعايتِها. فكانت العربُ في الجاهليةِ الأولى، إذا ارتأت أن تُحلِّلَ الحرامَ فهو حلالٌ، وإن شاءت أن تُحرِّمَ الحلالَ فهو حرامٌ (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (116 النحل).
ومن ذلك أيضاً ما بيَّنته لنا سورةُ التوبة في الآية الكريمة 37 منها (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). فـ “النسيء” الواردُ ذكرُه في هذه الآيةِ الكريمة هو أيُّ شهرٍ من الأشهرِ الأربعةِ الحُرُم كان العربُ في الجاهليةِ الأولى إذا ما ارتأوا أن يُحِلُّونه أحَلُّوه، فأباحوا وأجازوا فيه القتال، وحرَّموا شهراً آخر من الأشهرِ الثمانيةِ الأخرى غيرِ الحُرُم عوضاً عنه فجعلوه شهراً حراماً مُحرَّمٌ فيه القتال! وفي هذا ما فيه من خروجٍ سافرٍ على حدودِ الله وتعَدٍّ لها لا يقومُ به إلا مَن كان على شاكلةِ عربِ الجاهليةِ الأولى من غُلاةِ المشركين. ولقد حرَّم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم “النسيءَ” فجعلَه زيادةً في الكفرِ وإمعاناً لا ينبغي لمن آمنَ باللهِ واليومِ الآخِر أن يلجأَ إليه مهما كانت الأسباب. فالحلال هو ما أحلَّه الله والحرامُ هو ما حرَّمه الله وكفى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s