في معنى قولِهِ تعالى “وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا”

يفعلُ الجَهلُ في العقلِ ما تفعلُه الكراهيةُ فيه من توطأةٍ للنفسِ كي تُفلحَ في جعلِه ينطقُ بأقوالٍ تنضحُ حقداً وتُفصِحُ عن هذا الذي جُبِلت عليه النفسُ من شديدِ شغفٍ بالعدوانِ الظالمِ على كلِّ مَن يُخالفُها الرأيَ والمعتقد! وإلا فكيف جوَّزَ البعضُ لنفسِه أن يزعمَ بأنَّ “الرهبانيةَ” إبداعٌ بشري محض، وأنَّ اللهَ تعالى لم يكتبها على أحدٍ من عبادِه؟! فلو أنَّ القومَ تدبَّروا ما جاءتنا به سورةُ الحديد في الآيةِ الكريمة 27 منها، لتبيَّنَ لهم جلياً أنَّ اللهَ تعالى قد كتب الرهبانيةَ على عبادٍ له اشترطَ عليهم أن يبتغوا بها رضوانَه وأن يرعَوها حقَّ رعايتها (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا). فما كان من أكثرِهم إلا أن “ابتدعوها” فأحدثوا فيها ما لم يكتبه اللهُ تعالى عليهم، إذ لم يبتغوا بها رضوانَ الله ولا رعَوها حقَّ رعايتِها.
فالابتداع هو غيرُ الإبداع، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما يأمرُ به اللهُ تعالى وما يُحدِثُه الناسُ في هذا الأمرِ من حيودٍ به عن مُرادِ الله. فلقد كتبَ اللهُ تعالى الرهبانيةَ على طائفةٍ من عبادِه فابتدعوها حيوداً منهم عن مرادِه بها. إلا أنَّ هذا لا يُجوِّزُ لنا على الإطلاق أن نخلُصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ كلَّ من كتبَ اللهُ الرهبانيةَ عليه قد ابتدعها وأحدثَ فيها ما يتعارضُ مع مرادِه تعالى منها! فاللهُ تعالى قد امتدحَ طائفةً أقاموا الرهبانيةَ وابتغوا بها رضوانَه ورعَوها حقَّ رعايتها فكان حقاً عليه أن يقولَ فيهم: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين. وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) (من 82- 85 المائدة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s