ما الذي يُحبِطُ الأعمالَ فيحولُ دون أن تُصبِحَ من الصالحات؟

حكمَ الله على أعمالِ مَن أعرضَ عن هُداه واتَّبعَ هواه، وذلك بأن جعلها عاجزةً عن أن يبلغَ المرءُ بها ما يُمكِّنُه من النفاذِ من القدَرِ الذي كُتِبَ على الإنسانِ أن يُعانيَ الأمرَّينَ جراءه، إن هو لم يتَّبع دينَ الله، من معيشةٍ ضنكاً في دُنياه وعذابٍ أبدي في أُخراه. فالمشركون قد حبِطَت أعمالُهم فجعلتهم مُقيَّدين بضَنك العيش في هذه الحياة الدنيا، وبالخلود في جهنم في الآخرة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (8- 9 محمد)، (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) (17 التوبة)، (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (88 الأنعام)، (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون) (69 التوبة).
فالإشراكُ يجعلُ المرءَ يكذِّبُ بآياتِ الله ولقائه، وذلك لِما يُلقيه في قلبِه من تشكيكٍ لا يُبقي على أيِّ أملٍ بالتوبةِ والصلاح (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (147 الأعراف). ولذلك حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، كما حذَّرَ مَن سبقَه من الرُّسُلِ من قبله، من أن يُشركوا به فيكونَ مصيرُهم الخزيَ في الدنيا والآخرة (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (65 الزمر).
ولقد حذَّر القرآنُ العظيم الذين آمنوا من أن يُخالطَ إيمانَهم نفاقٌ يستحقُّ المرءُ به أن يُحبِطَ اللهُ تعالى عملَه فيكونَ بذلك كالمشركين الذين حبطت أعمالُهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (2 الحجرات)، (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (من 217 البقرة)، (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (من 5 المائدة)، (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (من 19 الأحزاب).
فلا يقتضي الأمرُ من المرءِ حتى يصبح منافقاً غيرَ أن لا يطيعَ اللهَ ورسولَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فيعودَ ذلك عليه بما من شأنه أن يجعله يستحقُّ أن يُبطِلَ اللهُ عملَه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم) (33 محمد). فالذين أبطلَ اللهُ أعمالَهم هم أولئك الذين وصفت حالَهم معه تعالى الآيةُ الكريمة 28 من سورة محمد (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ).
فطاعةُ اللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هي العاصمُ من أن ينتهيَ بالمرءِ حالُه مع اللهِ تعالى إلى الولوغِ في النفاقِ، وإلى الخروجِ من ثم إلى حومةِ الفسوق الذي هو بئسَ الإسم. والفسوقُ ما كان بئس الإسم إلا لأنه يزجُّ بالفاسقِ في زمرةِ أولئك الذين يمقتهم اللهُ أشدَّ المقتِ، والذين بيَّنَ اللهُ تعالى ما هم عليه مَقتٍ للهِ ولِدينِه ولرسولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ) (32 محمد)، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين) (٢١- ٢٢ آل عمران).
فإذا أردتَ ألا تكونَ من الذين حبطت أعمالُهم في الدنيا والآخرة، ولا من الذين يُحبطُ اللهُ أعمالَهم، فما عليك إلا أن تحرصَ الحرصَ كلَّه على ألا يكونَ حالُك مع اللهِ تعالى قائماً على أساسٍ مما بوسعك أن تتبيَّنه بتدبُّر هذه الآياتِ الكريمة: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (103- 105 الكهف)، (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (15-16 هود).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s