جَنَّةٌ وجِنَّةٌ وجِينة… تأملاتٌ في ماضي الإنسانِ ومستقبلِه

أما “الجَنةُ”، فهي تلك التي أسكن اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه فيها وأمرهما بألا يقربا شجرةً من أشجارها حدَّدها وعيَّنها لهما (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف).
وأما “الجِنة”، فهم الجِنُّ الذين كان إبليسُ منهم (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون) (158 الصافات)، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (من 50 الكهف). وإبليسُ هو الذي أخرج أبوَينا من تلك الجَنة، وذلك من بعدِ أن أفلحَ في جعلِهما يأكلان من شجرتِها التي نهاهما اللهُ عنها (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّة) (من 27 الأعراف).
وأما “الجِينةُ”، فهي تلك البِضعةُ من أبدانِنا التي تعيَّنَ عليها أن تحملَ من آثارِ التضرُّرِ الذي أحدثَته تلك الأكلةُ في بدنَي آدم وزوجه ما شاءَ لها اللهُ تعالى أن تحملَه بإذنِه ليكونَ لزاماً علينا بعدها أن نُعانِيَ الأمرَّين، شقاءً وعناءً ومشقةً وكدحاً، إن نحن أعرضنا عن هَدي الله واتَّبعَ كلٌّ منا هواه (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ… قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (36، 38- 39 البقرة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن لا سبيلَ هنالك على الإطلاق حتى نفهمَ الإنسانَ غيرَ أن نعودَ إلى ماضيه السحيق الذي يكفينا أن نقتطعَ منه تلك المدةَ من الزمان التي تعيَّنَ على أبوَينا، آدمَ وزوجِه، أن يقضياها في الجنة؛ حيث نجمَ عن مكوثِهما فيها ما استوجبَ أن يُصارَ إلى إخراجِهما منها، وذلك من بعدِ أن أكلا من شجرتِها التي كان اللهُ تعالى قد نهاهما عنها.
وإذا كان حاضرُ الإنسانِ اليومَ يُذكِّرُ بهذا الذي حدثَ له في ماضيه السحيق فأوجبَ عليه أن يُغادرَ الجنةَ إلى الأرض مُثقلاً بما تعيَّنَ عليه أن يحملَه من وِزرٍ على ظهره لا مخلصَ له منه ولا نجاة إلا بأن يتَّبعَ هَديَ الله، فإنَّ مستقبلَ الإنسانِ ليس له بالضرورة أن يكونَ نسخةً طِبقَ الأصل عن ماضيه وحاضرِه! فالإنسانُ بمقدورِه أن يرقى إلى ما يُمكِّنُه من أن يُصبحَ “إنساناً جديداً” يسمو فوق كلِّ تعريفٍ للإنسانِ نُخطئُ إذ نظنُّ ونتوهَّمُ بأنه التعريفُ الوحيدُ له! فإذا كان بمقدورِنا أن نُعرِّفَ الإنسانَ، كما نعرفُه اليوم، فنقولَ عنه إنه “الإنسانُ الأدنى”، وذلك بالمقارنةِ مع ما خُلِقَ ليكونَه ويُصبحَ عليه، فإنَّ بمقدورنا أيضاً أن نُعرِّفَ الإنسانَ الذي تبيَّنَ الرسالةَ التي خُلِقَ ليحملَها بـ “الإنسان الأعلى”.
و”الإنسانُ الأعلى” هو الذي صيَّرهُ حالُه مع اللهِ تعالى، اتِّباعاً منه لهَديه وإطاعةً لما أمرَه به، “إنساناً مهتدياً” فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يتعهَّده بالتأييدِ والنصرِ وبما هو كفيلٌ بأن يجعلَه يُحقِّقُ القدرَ الذي خُلِقَ ليُحقِّقَه إن هو اتَّبعَ رسالةَ اللهِ وأعرضَ عن ما تأمرُهُ به نفسُه ويُزيِّنُه له هواه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s