الإنسانُ أكثرُ الكائناتِ سُوءَ ظَنٍّ بالآخرين!

نهى اللهُ تعالى الذين آمنوا في قرآنِه العظيم عن الظنِّ وأمرَهم بأن يجتنبوا كثيراً منه وبيَّنَ لهم ما هو عليه بعضُ الظنِّ من قدرةٍ على جعلِ صاحبِه من الآثمين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (من 12 الحُجُرات). والإنسانُ بطبعِه الذي خُلِقَ به لا يملكُ ألا يظنَّ ظنَّ السَّوءِ بالآخرين! فالإنسانُ خُلِقَ ضعيفاً، وهذا “الضعفُ الخَلقي” يضطرُّ الإنسانَ إلى الكثيرِ مما هو عند اللهِ تعالى من الذنوبِ والآثام. صحيحٌ أنَّ الإنسانَ خُلِقَ ميالاً إلى أن يظنَّ ظنَّ السَّوءِ بمن يُحيطُ به، إلا أنَّ هذا لا يُحتِّمُ عليه وجوبَ أن لا يكونَ بمقدورِه ألا يُصغِيَ إلى هذا الذي تدعوهُ إليه نفسُه “الأمارةُ بالسُّوءِ” كائناً ما كان هذا السوء! فاللهُ تعالى زوَّدَ الإنسانَ بكلِّ ما من شأنِه أن يجعلَ بمقدورِه أن يُمضِيَ إرادتَه فلا يرضخَ لما تدعوهُ إليه نفسُه.
غيرَ أنَّ هذا يقتضي منه همةً يحسبُها كثيرٌ منا بعيدةً عن متناولِ يدِه وما هي كذلك! فالأمرُ لا يحتاجُ من واحدِنا غيرَ أن يستذكرَ ما سينتهي به إليه إصغاؤه لما تدعوهُ إليه نفسُه من سوءِ العاقبةِ في الدنيا والآخرة، وذلك حتى يعملَ جاهداً على ألا يُمكِّنَ نفسَه منه.
لقد حذَّر القرآنُ العظيم الإنسانَ من مغبةِ الإنصاتِ إلى ما تدعوهُ إليه نفسُه، وذلك إذا ما هو فعلَ ما تُمليه عليه من إساءةِ الظن بغيرِه. فالمواظبةُ على إساءةِ الظنِّ بالآخرين لن تجعلَ الإنسانَ يكتفي بالآخرينَ ساحةً يُمارِسُ فيها سوءَ ظنِّه. فالإنسانُ ما أن يوطِّنَ عقلَه على ما تأمرُه به نفسُه من سوءِ ظنٍّ بالآخرين حتى يصبحَ عاجزاً عن ألا يُسيءَ الظنَّ بالله! فالذي يُسيءُ الظنَّ بالآخرين سيجدُ نفسَه يوماً لا محالةَ يُسيءُ الظنَّ بالله فيظنُّ به غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهلية؛ هذا الظنُّ الذي سيُرديه خاتمةَ المطاف فيجرُّ عليه مقتَ اللهِ ليُخلَّدَ بعدها في النار (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) (من 154 آل عمران)، (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ) (10 الأحزاب)، (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِين) (23 فصلت).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أننا إن أسأنا الظنَّ اليومَ بمَن حولَنا فإننا لابدَّ وأن نُسيءَ الظنَّ باللهِ غداً!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s