في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”

ما كان اللهُ تعالى ليصطفِيَ من البشرِ رسولاً يُبلِّغُ للناسِ رسالتَه فيذرَه من دونِ أن يؤيِّدَه بما يُعينُه على مَن يتربَّصُ به من أشرارِ الجِنِّ الذين سمَّاهم القرآنُ العظيم “الشياطين”، والذين قال اللهُ تعالى في الشيطانِ وفيهم (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) (من 27 الأعراف). ولذلك فلقد كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن يُعلِّمَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كلماتٍ يستعيذُ بها من نَزغِ الشيطان ومن همَزاتِ الشياطين: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (200 الأعراف)، (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (36 فصلت)، (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (97- 98 المؤمنون).
صحيحٌ أنَّ “كيدَ الشيطانِ كان ضعيفاً”، إلا أنَّ بمقدورِ الشيطانِ أن يتسبَّبَ للإنسانِ بـ “نَصْبٍ وعذاب” وذلك جراءَ ما يُصيبُهُ منه من وسوسةٍ ونَزغٍ هُما كلُّ ما أجازَهُ اللهُ تعالى به يومَ سأله أن يأذنَ له بأن يتصدَّى لبَني آدمَ بالوسوسةِ والغوايةِ، وبالنَزغِ والإضلال، فأجابَه اللهُ تعالى إلى ما أراد وجعلَ حملتَه على بَني آدمَ لا يُفلِتُ منها إلا عبادُه المخلَصون (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (39- 40 الحِجر).
وحملةُ الشيطانِ على الإنسان شرسةٌ ضارية، كيف لا واللهُ تعالى قد أذِنَ له بها وأجازه بما فصَّلته الآيةُ الكريمة 64 الإسراء (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).
ولذلك علَّمَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كيف يستعيذُ به من الشيطانِ ونَزغِه، ومن الشياطينِ وهَمَزاتِهم، وذلك بما بيَّنته كلماتُ اللهِ تعالى الواردةُ في الآياتِ الكريمةِ أعلاه. فالشيطانُ وقَبيلُه أعداءٌ مُحنَّكون مُتمرِّسون، وهم أدرى بهذا الذي هو عليه الإنسانُ من “ضعفٍ خَلقي” كان من بينِ مفرداتِه عجزٌ منه، كامنٌ فيه وأصيل، عن أن يكونَ بمقدورِه أن يتصدى وحدَه لحملةِ الشيطانِ وقبيلِه من دونِ أن يستعينَ عليها بما فصَّلته وبيَّنته هذه الآياتُ الكريمة.
ولأنَّ اللهَ تعالى بعثَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم سراجاً مُنيراً ومعلماً هادياً، فلقد علَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم المؤمنين كيف يستعيذونَ باللهِ من الشيطانِ ومن قبيلِه من شياطين الجن (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (164 آل عمران). وهكذا فإنه لمن المُخزي والمُشين والمُعيب أن نظنَّ باللهِ تعالى غيرَ الحق ظنَّ الذين افترضوا أنَّهم قادرون بمفردهم على أن يتبيَّنوا السبيلَ لمواجهةِ حملةِ الشيطانِ وقَبيله من شياطين الجن، وذلك من دونِ أن يستعينوا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وبالرسالةِ التي أمرَه اللهُ تعالى أن يُبلِّغَها للناس. فلا سبيل إذاً للتصدِّي لحملةِ الشيطانِ وقبيلِه من شياطين الجن إلا بأن نأتمرَ بما أمرَ اللهُ تعالى به رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، فنستعيذَ بالله من نَزغِهم وهمَزاتِهم، وذلك وفقاً لما جاءنا به من عندِ اللهِ تعالى سيدُنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم مُبيَّناً ومفصَّلاً في قرآنِ اللهِ العظيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s