في معنى قولِهِ تعالى “لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ”

اشترطَ اللهُ تعالى على الذين آمنوا أن تكونَ التقوى منهم هي المعيارَ الذي تتمايزُ به عنده أعمالُهم بين ما يتقبلُه منها وما لا يتقبَّلُه. فبالتقوى، وبالتقوى فقط، تُقبَلُ أعمالُ بَني آدم. والتقوى هي ما يجعلُ من أعمالِ بَني آدم تنالُ من لدُنِ اللهِ تعالى الرضا والقَبول. فاللهُ ينظرُ إلى أعمالِنا أيُّها كانت التقوى الدافعَ من وراءِ إقدامِنا عليه. واللهُ لن يقبلَ من أعمالِنا ما صدرَ عن قلبٍ غيرِ تَقي، وإن كنا نظنُّ أنَّ بإمكانِنا أن نُزيِّنَها ونُجمِّلَها غيرَ مُدركين بأنَّ ما نخالُه من أعمالِنا من صالحِ الأعمالِ قد يكونُ عندَ اللهِ تعالى من أقبحِها وأكبرِها مَقتاً! فليس الإكثارُ من الأعمالِ، ولا تزيينُها وتجميلُها، بقادرٍ على أن يجعلَها ترقى بنا إلى مصافي عبادِ اللهِ الصالحين ما لم تكن التقوى هي ما دفعنا إلى الإقدامِ عليها. وفي هذا ما فيه مما لا يتماشى مع ما جُبِلَت عليه الأنفسُ وأُحضِرَت من إيثارٍ للخيالاتِ والأوهام على الوقائعِ والحقائق! فالحقُّ هو ما أنبأنا اللهُ تعالى بأنَّه كذلك، وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع هذا الذي جُبِلنا عليه من استساغةِ “المنطقي” و”المعقول” من الأمور! فلو كان الأمرُ موكولاً إلى عقولِنا ومنطقِها لما اقتضى الأمرُ أن يُرسِلَ اللهُ تعالى رُسُلَه بالهدى والحقِّ لينتشلَ الإنسانَ من الظلُماتِ إلى النور!
وهذا التلازمُ الضرورةُ بين العملِ والتقوى، وبما يجعلُ الأعمالَ لا تنالُ من لدُنِ اللهِ القبولَ والرِّضا إلا إن كان الدافعُ من وراءِ الإقدامِ عليها هو التقوى، لَيشهدُ على أنَّه الحقُّ الذي لاشكَّ فيه ولا مِراء ما جاءتنا به سورةُ المائدة في سياقِ حديثِها عما جرى بين ابنَي آدم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). فالمتَّقون هم الذين يتقبَّلُ اللهُ تعالى منهم أعمالَهم، وهم الذين ينالُ اللهَ تعالى التقوى منهم. فأعمالُ بَني آدم التي يبتغون بها التقرُّبَ إلى اللهِ لن تصلَ إليه إلا إن كانت التقوى هي مَن جعلهم يقومون بها. فلا لحومُ الذبائح بمقدورِها أن تصلَ إلى اللهِ ولا دماؤها ما لم تكن التقوى من ورائها (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (من 37 الحج). فلحومُ الأضاحي ودماؤها مقبولةٌ من لدن اللهِ تعالى إن كانت التقوى هي مَن دفعَ بمن يبتغي التقرُّبَ إلى اللهِ تعالى إلى تقديمِها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s