في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ”

امتدحَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم فريقاً من عِبادِه سمَّاهم “أُولي الألباب”. ولقد اختصَّ اللهُ تعالى هذه الفرقةَ من عِبادِه بعقلٍ سليمٍ مما ابتُليَ به السوادُ الأعظمُ من بَني آدم من أسقامٍ وآفات جعلتهم لا يعبأونَ بما يَعرِضُ لهم من آثارِ رحمةِ اللهِ التي جعلَها اللهُ تتجلَّى لكلِّ مَن جالَ في الوجودِ بصرُهُ ولم يكُن كلُّ حظِّها منه إلا نظرةً لم يُصاحبها تفكُّرٌ ولم يعقبها تدبُّر!
فالمتفكِّرون في خَلقِ السمواتِ والأرض هم أولئك الذين أيقنوا أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليخلقَهم عبثاً وما كان ليخلقَ الوجودَ باطلاً (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (115 المؤمنون)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (27 ص).
و”أولو الألباب”، الذين يتفكرون في خلقِ السمواتِ والأرض، ما كان ليفوتَهم أنَّ العلةَ من وراءِ انتفاءِ وجودِ أي “باطلٍ” و”عبث” في خلقِ اللهِ تعالى للسمواتِ والأرض إنما تعودُ لهذا الذي جعلَهُ اللهُ تعالى “المآلَ” الذي سيؤولُ إليه أمرُ الوجودِ خاتمةَ المطافِ وبعد أن يأذنَ اللهُ تعالى بزوالِ هذا الوجود وكلِّ ما فيه إيذاناً بقدومِ اليومِ الآخِر. فتفكُّرُ أُولي الألبابِ في خلقِ السمواتِ والأرض كان لابد وأن ينتهيَ بهم إلى القولِ بما جاءهم به كتابُ الله من أنَّ اللهَ جامعُ الناسِ ليومٍ لاريب فيه هو يومُ الحساب. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ آل عمران في الآيتَين الكريمتَين 190- 191 منها (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
وقد يظنُّ متوهمٌ أنَّ تفكُّرَ أُولي الألبابِ في خلقِ السمواتِ والأرض ليس له بالضرورة أن ينتهيَ بهم إلى القولِ بما يقولُ به كتابُ اللهِ من أنَّه تعالى ما خلقَ الوجودَ بسماواتِه وأرضينِه إلا ليكونَ مقدمةً لمجيءِ الآخرةِ بنارِها وجنَّتِها فحسب! ويُفنِّدُ هذا الذي يقولُ به مَن لم يكُن أهلاً لتتجلَّى له من كتابِ اللهِ الحقيقةُ التي ما أنزل اللهُ تعالى كتابَه إلا لينطقَ بها، أن نستذكرَ “الحقيقةَ القرآنيةَ” التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى ما ذكرَ خلقَ السمواتِ والأرض بالحق وما ذكرَ أنَّه لم يخلقهما باطلاً إلا وأتبَعَ ذلك بقولٍ ذي صلةٍ بالآخرةِ. ويتبيَّنُ لنا ذلك جلياً بتذكُّرِنا ما وردَ أعلاه من آياتٍ كريمة، وبتدبُّرِنا الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (85 الحِجر)، (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) (8 الروم)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) (38- 40 الدخان)، (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) (3 الأحقاف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s