في معنى قولِ اللهِ تعالى “وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ”

ما الذي قصدَ إليه قولُ اللهِ تعالى (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) الواردُ في الآية الكريمة 82 من سورة الأنبياء (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)؟
للتذكيرِ، فإنَّ هذه الآيةَ الكريمة وردت في سياقِ حديثِ سورةِ الأنبياء عن بعضٍ مما فضَّلَ اللهُ تعالى به عبدَه سليمان على غيرِه من الأنبياء. فاللهُ تعالى اختصَّ سيدَنا سليمان بما بوسعِنا أن نتبيَّنَ شيئاً يسيراً منه بتدبُّرِنا الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين) (81 الأنبياء)، (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (35- 39 ص)، (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (15- 19 النمل).
وكان من عظيمِ فضلِ اللهِ تعالى على عبدِه سليمان أن سخَّرَ له من الجنِّ والشياطينِ ما يكفينا لتبيُّنِ ما كان بمقدورِهم القيامُ به من خدمةٍ له عليه السلام بإذن الله أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (من 12- 13 سبأ)، (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (82 الأنبياء).
والآن، وبعد أن اطَّلعنا على جانبٍ من عظيمِ فضلِ اللهِ تعالى على عبدِه سليمان، فإنَّ الإجابةَ على السؤالِ الواردِ في مستهلِّ هذا المنشور يتكفَّلُ بها تدبُّرُ هذا الذي هم عليه الجنُّ من خِلقةٍ فريدةٍ تُمكِّنُهم بإذنِ اللهِ تعالى من القيامِ بما يُعجِزُ الإنسانَ من خوارقِ الأفعالِ وعجيبِ الأعمال. فالجنُّ قد خلقَهم اللهُ تعالى خلقاً لا يُضيرُهم معه ما يُضيرُ الإنسان. ومن ذلك قدرتُهم بإذنِ اللهِ تعالى على البقاءِ تحت الماء دون حاجةٍ إلى استنشاقِ الهواء. ويُعينُ ذلك على تبيُّنِ المعنى الذي ينطوي عليهِ قَولُ اللهِ تعالى (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ). فالجنُّ قد حفظَهم اللهُ تعالى، بخِلقتِهم التي تمايزوا بها عن خِلقةِ الإنسان، من أن يُصيبَهم ما يصيبُ الإنسانَ إن طالَ بقاؤه تحت الماء. ولقد مكَّنتهم هذه القدرةُ على أن يأتوا سيدَنا سليمان بعجيبِ النفائسِ وغريبِ الكنوزِ من أعماقِ البحار.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s