في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ”

الأصلُ في تدبُّرِ القرآنِ العظيم أن يُغلَّبَ لسانُه العربيُّ المبين على لسانِنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه بتقادُمِ الأيامِ والسنين. فتغليبُ عربيةِ لسانِنا على عربيةِ القرآنِ العظيم لن ينجمَ عنه إلا ما سينتهي بنا، في كثيرٍ من الأحايين، إلى الوقوعِ على “معنى آخر” هو غيرُ المعنى الذي ينطوي عليه كثيرٌ من آياتِ القرآن العظيم. ومن ذلك قراءتُنا للكلمةِ القرآنية “يتوفَّى” دون أن نأخذَ بعَين الاعتبار السياقَ الذي ترِدُ خلاله؛ هذا السياقُ الذي يُحدِّدُ معنى هذه الكلمةِ القرآنية، وبما يُعينُ على تبيُّنِ إن كان هذا المعنى يخصُّ “التوفِّي” في هذه الحياةِ الدنيا أم في الآخرة.
لنتدبَّر ما جاءتنا به سورةُ محمد في الآية الكريمة 27 منها (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ). فهذه الآيةُ الكريمة تتحدثُ عن يومِ القيامة وعما سيحدثُ فيه للكافرين إذ تتلقاهم ملائكةُ العذاب، وذلك امتثالاً منهم لأمرِ اللهِ تعالى القاضي بالاقتصاصِ من الكافرين. و”التوفِّي” في هذه الآيةِ الكريمة لا ينبغي أن يُفهَمَ وفقاً لما تواضعنا عليه واصطلحنا بشأنِ هذه الكلمة من أنَّه ذو صلةٍ بالموت. فالتوفي في هذه الآيةِ الكريمة لا علاقةَ له، على الإطلاق، بالحياةِ الدنيا، وذلك لأنه من مفرداتِ الآخرة. وهذا الذي يتجلَّى لنا بتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة هو عينُ ما نحنُ واجدوه بتدبُّرنا الآياتِ الكريمة التالية: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (من 93 الأنعام)، (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (50- 51 الأنفال).
ويتعيَّنُ على كلِّ مجادلٍ في الحقيقةِ التي مفادُها أنَّ “التوفِّي” في القرآنِ العظيم لا يخصُّ هذه الحياةَ الدنيا فحسب أن يُفسِّرَ لنا هذا الذي تنطوي عليه الآيةُ الكريمة 37 من سورة الأعراف (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ). فـ “الكتابُ” في هذه الآيةِ الكريمة هو “كتابُ الله” الذي وردَ في سياقِ حديثِ أهلِ العلمِ والإيمان، وهم يُجيبونَ الذين كفروا بما فصَّلته وبيَّنته الآيةُ الكريمة 56 من سورة الروم (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55- 56 الروم).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s