خطةُ الله بين أمرِ الله وأسبابِ الله… قصةُ سيدِنا آدم وقصةُ سيدِنا يوسف مثالاً

لا شيءَ يحدثُ في الوجودِ إلا وفقاً لما تقضي به “خطةُ الله” التي سبق لله تعالى وأن وضعها يومَ خلقَ السمواتِ والأرض. ولقد اقتضت هذه الخطةُ أن تكونَ “أسبابُ الله” هي التي يحدثُ بموجبِها ومقتضاها السوادُ الأعظمُ من أحداثِ هذا الوجود. ومن “أسبابِ الله” هذه ما قُدِّرَ للعلمِ أن يُحيطَ به بإذن الله. و”أسبابُ الله” التي قُدِّرَ للعلمِ أن يُحيطَ بها بإذنِ الله هي غيضٌ يَسيرٌ من فيضٍ غزير. وهذا الذي قُدِّرَ للعلمِ أن يُحيطَ به من “أسبابِ الله” هو ما سمَّاهُ “قوانين الوجود”؛ هذه القوانينُ التي خُيِّلَ للعلمِ أنَّ ما تسنَّى له أن يُحيطَ به منها هو كلُّ ما هنالك من قوانين هذا الوجود!
وإذا كانت الغالبيةُ العظمى من أحداثِ هذا الوجود تحدثُ بـ “أسبابِ الله”، فإنَّ هنالك طائفةً منها لا تحدثُ إلا بـ “أمرِ الله”. فـ “أمرُ الله” هو العلةُ من وراءِ حدوثِ تلك الأحداثِ التي هي أقربُ إلى المستحيل، ومنها المعجزاتُ والكراماتُ والسوادُ الأعظمُ من خوارقِ العادات. وهذه أحداثٌ لا قدرةَ للعلمِ على التعليلِ لها ناهيك عن أن يكونَ بمقدورِه أن يأتيَ بمثلِها! ولقد أبانَ لنا القرآنُ العظيم عن نزرٍ يسيرٍ من هذه الأحداثِ التي كان “أمرُ الله” هو العلةُ من وراءِ حدوثِها:
1- (قالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (72- 73 هود).
2- (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (66 هود).
3- (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (82- 83 هود).
4- (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (94 هود).
5- (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (27 المؤمنون).
فبمجيءِ “أمرِ اللهِ” تتوقفُ “أسبابُ الله” التي تجري بمقتضاها تلك الطائفةُ من أحداثِ الوجودِ التي تواضعنا على وصفِها بأنَّها “أحداثٌ طبيعية”، وتشرعُ في الحدوثِ أحداثٌ اصطلحنا على الإشارةِ إليها بأنها “أحداثٌ غيرُ طبيعية”. وهذه “الأحداثُ غير الطبيعية” إذ تحدثُ بـ “أمرِ الله”، فإنها في حقيقة الأمر ما كان لها أن ترى النورَ لولا أنَّ اللهَ تعالى تدخَّل “تدخلاً مباشراً” في سَيرِ أحداثِ الوجود “الطبيعية” فيسَّرَ ذلك حدوثَها. وللهِ تعالى أن يتدخَّلَ تدخُّلاً مباشراً، أو أن يُحجِمَ عن هذا التدخُّلِ وذلك وفقاً لما سبقَ وأن قضت به خطَّتُه التي وضعها يومَ خلقَ السمواتِ والأرض.
فإذا كانت “خطةُ الله” تقتضي ألا يتدخَّلَ اللهُ تدخلاً مباشراً يحولُ دونَ أن يُفلِحَ الشيطانُ في إغواءِ آدمَ وزوجِه، فإنَّ ما سيحدثُ هو لا أكثرَ من أن تجريَ الأحداثُ وفقاً لما تقضي به “أسبابُ الله” التي يجري بموجبِها كلُّ ما هو “طبيعي” من أحداث الوجود فتكونُ النتيجةُ هي ما حدثَ فحتَّمَ على آدمَ وزوجِه أن يُخرجا من الجنة (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (120- 121 طه). وإذا كانت “خطةُ الله” تقتضي أن يتدخَّلَ اللهُ “تدخلاً مباشراً” يصرفُ به اللهُ عن سيدِنا يوسف السوءَ والفحشاء، فإنَّ ما سيحدثُ هو لا أكثر من أن تجريَ الأحداثُ وفقاً لما يقضي به “أمرُ الله” من “تسلُّطٍ” على الأحداثِ التي تحدثُ بـ “أسبابِ الله” فتكونُ النتيجةُ هي ما انتهى إليه أمرُ سيدِنا يوسف إذ نجَّاهُ اللهُ من كيدِ امرأة العزيز (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (من 24 يوسف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s