لماذا قالَ اللهُ تعالى في الإنسان إنَّهُ “خُلِقَ من عَجَل”؟

التعجُّلُ والاستعجالُ خصلتانِ لصيقتانِ بالإنسانِ لا تكادانِ تفارقانه إلا ما رحمَ الله. والمتدبِّرُ في هذا الذي هو عليه الإنسانُ، من عجَلٍ وتعجُّلٍ وعجلةٍ واستعجال، لا يملكُ إلا أن يعجبَ لأولئك الذين يبالغون في تعظيمِ الإنسانِ وتبجيلِه كيف فاتهم ما جاءهم به القرآنُ من تفصيلٍ وبيان لما كان من حالِ الأممِ الخالية مع أنبيائهم المُرسَلين! (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُم) (من 150 الأعراف)، (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) (من 57 الأنعام)، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) (من 6 الرعد)، (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) (من 1 النحل)، (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) (204 الشعراء)، (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) (من 46 النمل)، (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُون) (72 النمل)، (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (54 العنكبوت)، (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ. يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا) (من 17- من 18 الشورى).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة، أنَّ التعجُّلَ والاستعجال لا يغادران قوماً أو أمةً أو طائفةً أو فرقةً أو فئةً من بَني آدم إلا ونالتا منها نصيباً مفروضاً. ويُعينُ تدبُّرُ هذه الحقيقةِ القرآنية على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ توصيفِ اللهِ تعالى للإنسانِ بأنَّه “خُلِقَ من عَجَل” (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُون) (37 الأنبياء). فمن المعلومِ أنَّ الإنسانَ قد خُلِقَ من ترابِ الأرضِ وطينِها، غيرَ أنَّ تمكُّنَ الاستعجالِ من عقلِ الإنسان وتملُّكَه لقلبِه يجعلانِ المتدبِّرَ في أحوالِ الإنسانِ يكادُ يُقسِمُ بأنَّه ما خُلِقَ من ترابِ الأرضِ وطينِها ولكنه خُلِق من استعجالٍ وعجَل!
ويؤمِّنُ هذا الاستعجالُ الذي هو عليه الإنسان الدليلَ والبرهان على انتفاءِ انتمائه لعالمِ الطبيعة، وبما يُفنِّدُ ويدحضُ مزاعمَ أولئك الذين يُصِرُّون على القولِ بأنَّ الإنسانَ “كائنٌ طبيعي”! فمَن من “كائناتِ الطبيعة” يبزُّ الإنسانَ ويتفوَّق عليه عجلةً وتعجُّلاً واستعجالاً؟! كما ويتكفَّلُ تمكُّنُ الاستعجالِ من الإنسانِ، وإلى الحدِّ الذي يكادُ الإنسانُ يكفي للتعريفِ به أن يُقالَ فيه إنَّه “خُلِقَ من عَجَل”، بتقديمِ الدليل والبرهان على أنَّ الإنسانَ لا يمكنُ أن يكونَ ذلك المخلوقُ المثالي الذي يتباهى به أولئك الذين استعاضوا به عن اللهِ تعالى إلهاً ومعبوداً! فيا له من إلهٍ عَجولٍ خُلِقَ من عجَل!
لقد بيَّنَ لنا القرآنُ العظيم “حقيقةَ الإنسانِ” إذ قالَ فيه ما يكفي مَن كان “لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” أن يستيقنَ من حدوثِ “خطبٍ” ما في ماضي الإنسانِ البعيد جعله عاجزاً عن الارتقاءِ من جديد إلى “مقامِ أحسنِ تقويم” الذي خلقَه اللهُ تعالى فيه. فما الذي حدثَ في ماضي الإنسانِ السحيق فردَّه “أسفلَ سافلين” وجعلَه بذلك مجادلاً عجولاً؟ ولماذا يُصِرُّ كثيرٌ منا على التغاضي عن هذه الحقيقة التي لو أنَّنا قدَرناها حقَّ قدرِها لتبيَّنَ لنا أنَّ البَونَ جدُّ شاسعٍ بين ما تخالُه الظنون وما تراهُ العيون!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s