آدمُ والتوبةُ النَّصوح

يظنُّ البعضُ خطأً أنَّ ما نحن عليه من حالٍ مع اللهِ تعالى، يقتضي منا وجوبَ أن نعبدَه فنتَّبِعَ هداهُ حتى يكونَ لنا أن نُزحزحَ عن النارِ ونُدخَلَ الجنة، إنما هو أمرٌ لا ينبغي أن نعزوَه إلى أبينا آدم وزوجِه اللذَين أكلا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها فتعيَّنَ عليهما جراءَ ذلك أن يُخرَجا من الجنةِ ويهبطا إلى الأرض، وذلك لأنَّ في هذا القولِ ما فيه مما يُذكِّرُ بـ “الخطيئةِ الأصلية” التي تُلزِمُ مَن يُصدِّقُ بها بالقولِ بأنَّ كلَّ إنسانٍ قد ولِدَ مخطئاً بسببٍ منها.
وهذا ظنٌّ إنَّما ينمُّ عن جهلٍ وجهالة، وعجزٍ عن “التعامُل المنطقي” مع الكلماتِ والعباراتِ لا ينبغي لمن كان على شيءٍ من تفكيرٍ سليمٍ من آفاتِ النفسِ وأغراضِ الهوى! فأيُّ ضَيرٍ في القولِ بأنَّ أكلَ أبوَينا، آدمَ وزوجِه، من تلك الشجرة فيه ظلمٌ فادحٌ وحَيفٌ كبير بحقِّ ذريَّتِهما إذ جعل كلَّ إنسانٍ مُلزَماً بأن يختارَ بين طريقَين لا ثالث لهما: إما أن يتَّبِعَ هُدى الله، وإما أن يُعرِضَ فيتَّبعَ هواه؟!
لقد حكَّمَ هؤلاءِ العاجزون عن تبيُّنِ الحقِّ من الباطل أهواءَهم فيما يعرضُ لهم من القول فتعيَّنَ عليهم وجوبُ القولِ بما يتعارضُ مع ما جاءنا به القرآنُ العظيم؛ هذا القرآنُ الذي يظنُّ هؤلاءِ أنَّهم إنما يُنافحون عنه بهذه المزاعمِ التي يُطلقونَها على مَن لم يقل بغيرِ ما قالَ به هذا القرآن! فالقرآنُ العظيم هو الذي بيَّنَ لنا ما يتوجَّبُ على كلِّ فردٍ منا أن يقومَ به حتى يكونَ من الفائزين، وهو الذي وردَ فيه هذا القولُ بعد أن قصَّ علينا ما كان من أمرِ أبوَينا آدمَ وزوجِه إذ أخرجتهما أكلتُهما من تلك الشجرة من الجنة وأعادتهما إلى الأرضِ التي خلقهما اللهُ تعالى من طينِها وترابِها.
فالإنسانُ لم يولد خاطئاً مخطئاً بسببٍ من أكلةِ أبوَيه هذه، ولكنه وُلِدَ “مطالَباً” بأن يعبدَ اللهَ تعالى حتى ينجوَ من عذابِه ويفوزَ بثوابِه؛ هذا العذاب وهذا الثواب اللذان ما تعيَّنَ على الإنسانِ أن ينتهيَ مصيرُه إلى أحدهما إلا بسببٍ من أكلِ أبوَيه من تلك الشجرة! وهذه حقيقةٌ من حقائقِ القرآنِ مَن أنكرَها فقد أنكرَ القرآنَ كلَّه.
لقد تابَ اللهُ تعالى على أبينا آدم من بعد أن تابَ إليه آدمُ توبةً نصوحاً ما كانت لتجعلَ من أحدٍ من ذريتِه يُقدِمُ على اقترافِ الخطأ وعلى الوقوعِ في الخطيئة! فالذي جعلَ الإنسانَ خطَّاءً، يُكثِرُ من الخطأ ومن الوقوعِ في الخطيئة، هو هذا الذي جرَّه عليه أكلُ أبوَيه من تلك الشجرة. ولو أنَّ الإنسانَ تابَ إلى اللهِ تعالى توبةً نصوحاً من كلِّ ذنبٍ أذنبَه لانتهى به الأمرُ لا محالة إلى ما انتهى إليه حالُ أبيه آدم إذ تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحاً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s