في معنى “الفسوق” في القرآنِ العظيم

يُجادلُ كثيرٌ منا في المعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ الفاسقين في قرآن الله العظيم. وحجةُ هؤلاء المجادلين مفادها أنَّ الكفرَ أشدُّ ضراوةً من الفسوق وأنَّ الفسوقَ لا يُخرِجُ العبدَ من رحمةِ اللهِ تعالى! ولستُ أدري لماذا كلُّ هذا التعسُّفِ والابتسارِ والتنطُّعِ والمجادلةِ في أمرٍ قد حسمهُ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بقولِه (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) (من 11 الحجرات)؟!
فكيف يكونُ للفاسقِ أن يأملَ بشيءٍ من رحمةِ الله في دنياه أو أخراه إن كان اللهُ تعالى قد قالَ في الفاسقين ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه، فنتبيَّنَ استحالةَ أن يكونَ للفاسقِ ما أمَّلَه به هؤلاء المجادلون، وذلك بتدبُّرنا الآياتِ الكريمةِ التالية: (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (من 35 الأحقاف)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (من 6 المنافقون)، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) (19 الحشر)، (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 67 التوبة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 47 المائدة)، (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) (99 البقرة)، (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 110 آل عمران)، (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (من 5 الحشر).
لقد كان يكفي هؤلاء المجادلين أن يستذكروا ما فصَّله قرآنُ اللهِ العظيم، وبيَّنته آياتُه الكريمة، من حالِ الفاسقين مع اللهِ تعالى؛ هذا الحالُ الذي يكفي كلَّ مَن يقرأُ قرآنَ اللهِ العظيم بتفكُّرٍ وتدبُّر أن يتبيَّنَ قبحَه وبشاعتَه وذلك بتذكُّرِ ما قاله اللهُ تعالى في فرعونَ وقومه: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين) (12 النمل)، (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (32 القصص)، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين) (54 الزخرف). وكذلك ما قاله اللهُ تعالى في قومِ نوح (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (46 الذاريات).
لقد أنزلَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بلسانٍ عربي مُبين كفلَ لكلِّ مَن يقرأه بتفكُّرٍ وتدبُّر أن يتبيَّنَ استحالةَ أن يكونَ هذا القرآنُ من عند غيرِ الله، وذلك لانتفاءِ وجودِ أيِّ “اختلاف” فيه. وانتفاءُ وجودِ “الاختلاف” في القرآنِ العظيم حقيقةٌ لا مراءَ فيها طالما كانت آياتُه الكريمة لا يُناقِضُ بعضُها بعضاً، وذلك كما هو الحال مع الكتبِ التي يخطُّها بنو آدم والتي لا يكادُ يخلو كتابٌ منها من جمهرةٍ من “الاختلافات” والتناقضات بين ما يردُ فيه من آراءٍ وطروحات!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s