هل حقاً قَدَرنا قرآنَ اللهِ العظيم حقَّ قدرِه؟

للقرآنِ العظيم حضورٌ في هذه الحياةِ الدنيا “غُيِّبَ” عن أكثرِ الناسِ تبيُّنُه وإدراكُه على ما هو عليه حقاً وحقيقة. ولقد أشارَ اللهُ إلى هذا الحضورِ لقرآنِه العظيم بقولِه تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (21 الحشر). فقوةُ القرآنِ من قوةِ الرحمن. وما عجزُنا عن تبيُّنِ وإدراكِ هذه الحقيقة إلا مظهرٌ من مظاهرِ “الغفلة” التي تمكَّنت منا فجعلتنا نظنُّ أنَّ القرآنَ كتابٌ كغيرِه من الكتب لا حضورَ له ولا قوة!
فلولا هذه “الغفلةُ” لكان بمقدورِنا أن نُدركَ هذا الذي حبا اللهُ تعالى به قرآنَه العظيم من “تسلُّطٍ” على الوجودِ يكفينا أن نتبيَّنَ ملمحاً من ملامحِه بتذكُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ الأعراف من قصَصِ سيدِنا موسى الذي سألَ اللهَ تعالى أن يُرِيَه نفسَه لينظرَ إليه فكان ما كان مما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِه تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) (من 143 الأعراف). فالقرآنُ العظيم إذا ما “تجلَّى” للجبل قادرٌ على أن يُحيلَه فيجعلَه “خاشعاً متصدعاً من خشيةِ الله”. ولولا أنَّ اللهَ تعالى “يحولُ” بين القرآنِ العظيم والجبل، لانتهى الأمرُ بهذا الجبل إلى ما انتهى إليه أمرُ الجبلِ الذي تجلى له اللهُ فخَرَّ سيدُنا موسى لمَرآهُ صَعِقاً! ولولا أنَّ اللهَ تعالى “يحولُ” بين القرآنِ العظيم والوجود لتبيَّنَ لنا أنَّنا ما قدَرنا هذا القرآنَ حقَّ قدرِه إذ ظننا أن ليس بمقدورِه أن “يفعلَ” في هذا الوجودِ فعلَ اللهِ تعالى فيه!
فالقرآنُ العظيم قادرٌ على أن يفعلَ في الوجودِ ما فصَّلَه وبيَّنَه قولُ اللهِ تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) (من 31 الرعد). فاللهُ تعالى هو الذي “يحولُ” دون أن يتجلَّى لنا من قوةِ القرآنِ العظيم وحضورِه، في دنيانا هذه، هذا الذي يكشفُ لنا النقابَ عنه تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى هذا. ويؤكِّدُ ذلك ما جاءتنا به الآيةُ الكريمة (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (111 الأنعام). فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يجعلَ الموتى من بَني آدم يُكلِّمونَ الأحياءَ منهم، وهذا الذي هو بمقدورِ اللهِ هو عينُ ما خصَّ اللهُ به قرآنَه العظيم من قدرةٍ تضطرُّ موتى بَني آدم لأن يكلِّموا أحياءهم!
لقد شاء اللهُ تعالى أن “يحتجبَ” حضورُه في هذه الحياةِ الدنيا كما شاءَ أن “يحجبَ” حضورَ قرآنِه العظيم فيها. وإذا كانت مشيئةُ اللهِ تعالى هذه تجعلُ حضورَ القرآنِ العظيم في هذا الوجودِ لطيفاً خَفياً فلا يكادُ يتبيَّنُه إلا مَن مكَّنَهم اللهُ تعالى منه، فإنَّ هذا لا يعفي السوادَ الأعظم منا من أن يُجِلُّوا القرآنَ ويُبجِّلوه ويُعظِّموه!
وبذلك تكونُ الإجابةُ على سؤالِ هذا المنشور “هل حقاً قدَرنا قرآنَ الله العظيم حقَّ قدرِه؟”، هي أننا لم نَقدِر القرآنَ حقَّ قدرِه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s