في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ”

لا تجدُ قوماً يُؤثِرون الحقَّ على الباطلِ، وينتصرونَ لما أمرَ به اللهُ، يرضونَ بأن يُحكِّموا أهواءَهم فيما جاءهم به دينُ اللهِ، وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع ما يظنونَ أنَّه الحقُّ الذي لا مراءَ فيه! فالاحتكامُ إلى الهوى لن ينتهيَ بصاحبِه إلا إلى مزيدٍ من الإيغالِ في البُعدِ والنأي عن اللهِ تعالى. وكلُّ مَن يستسيغُ الباطلَ، طالما كان في ذلك ما يُرضي نفسَه وهواه، لن يكونَ بمقدورِه أبداً أن يُفلِتَ من غضبِ الله الذي لو أنَّه قدَرَه حقَّ قدرِه لتروَّى قليلاً قبل أن يتجاسرَ على اللهِ ويتجرَّأ على قرآنِه العظيم بظنونٍ وافتراءاتٍ ما استدرجَه إلى القولِ بها إلا عجزُه عن أن يقولَ “كلا” لكلِّ ما تأمرُهُ به نفسُه من قولٍ لا يصدرُ إلا عمَّن التاثَ منه العقلُ فخالطَ أحكامَه فسادُ الرأي وغلب على حساباتِهِ الاحتكامُ إلى ما لا يُنفِّرُ منه الشيطانَ ولا الهوى!
فهل يُعقَلُ أن يستهينَ البعضُ بما هو “عند اللهِ عظيم” لا لشيءٍ إلا لأنَّ في ذلك ما يتَّفقُ مع مقاربتِه لدينِ الله، وبما لا يتَّفقُ مع ما تنصُّ عليه آياتُ الله؟! فالعظيمُ من الأمورِ عند الله ينبغي أن يكونَ عظيمَها عند كلِّ مَن يتَّقي اللهَ ويخشاه. فليس الأمرُ لنا حتى نزعمَ بأنَّ النطقَ بالشهادتَين كفيلٌ بجعلِ المرءِ محرَّماً على نارِ جهنم! وهل الأمرُ لنا حتى نحكمَ بألا خلودَ في نارِ جهنم لمن نطقَ بالشهادتَين مهما عظُمت معصيتُه ومهما كان ذنبُه؟! ومتى كان الأمرُ لنا حتى نُعرِّفَ “الارتدادَ عن دينِ الله” بأنَّه “الكفرُ بعد الإيمان”؟! ومَن نحن حتى نقصُرَ الكفرَ بعد الإيمان على مَن يرتدُّ عن دينِ الله؟! وكيف بلغَت بنا الجرأةُ على دينِ الله حدَّ الزعمِ بأنَّ مَن نطقَ بالشهادتَين لن يُحشرَ في زمرةِ الفاسقين إلا إن هو ارتدَّ عن الإسلام؟! أفلا يعلمُ هؤلاء المتجاسرون على قرآنِ الله أنَّ الفسوقَ لا يقتضي من “المؤمن” غيرَ أن يفعلَ من قبيحِ الأفعالِ ما هو كفيلٌ بجعلِه يستحقُّ كبيرَ مقتِ الله؟!
يبدو أنَّ القومَ قد نسوا، أو تناسوا، ما جاءتنا به سورةُ الصف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون) كما نسوا، أو تناسوا، قولَه تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون) (11 الحجرات).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ مَن كان هذا هو حالُه مع اللهِ تعالى، وهذا هو مقالُه في دينِه وقرآنِه، لن يكونَ بالمستغربِ أن يصدرَ عنه ما يجعلُه أهلاً لأن يتوجَّهَ إليه قرآنُ اللهِ العظيم بقولِ اللهِ تعالى (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (من 15 النور).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s