ما الذي يَلزمُ عن القول بألا وجودَ هناك للمعجزاتِ والكرامات؟

يُعلِّلُ البعضُ لإنكارِه للمعجزاتِ والكرامات بهذا الذي تنطوي عليه من تعارضٍ وتصادمٍ مع ما يقضي به “العقلُ” من وجوبِ انصياعِ ظواهرِ الوجود لقوانينه. وهذا التحكيمُ “للعقلِ” في ظواهرِ الوجود ليس من الإيمانِ في شيء! فالتديُّنُ الحق بِدينِ اللهِ الحق يقتضي منا وجوبَ أن لا نُغاليَ في تقديرِ “العقل” ولا نبالغَ في الاحتكامِ إلى ما يقضي به ظناً منا بأنَّ المخالفةَ عن ذلك لن تُفضِيَ بنا إلا إلى الخروجِ على ما يقومُ عليه هذا الوجودُ من إذعانٍ لسُنَنِ اللهِ وقوانينِه. فالإصرارُ على إيلاءِ “العقلِ” ما لم يُقدَّر له سوف يقودُنا شيئاً فشيئاً إلى إنكارِ كلِّ ما لا يتَّفقُ مع أحكامِه. وهذا أمرٌ ليس بالهيِّنِ على الإطلاق، وذلك طالما كان في الأخذِ به ما يوجبُ علينا ألا نؤمنَ بكلِّ ما يتعارضُ مع ما يقضي به “العقلُ”، ومن ذلك ما جاءنا به دينُ اللهِ تعالى من وجوبِ “الإيمانِ بالغيب” بما لا يُقِرُّ “العقلُ” بوجودِه أو بإمكانيةِ وجوده! وبذلك سوف نكونُ مضطرِّين، والحالُ هذه، إلى إنكارِ وجودِ موجوداتٍ كالملائكةِ والجن، وإلى الحكمِ بانتفاءِ أيِّ إمكانيةٍ للبعثِ والنشور والقيامة وغير ذلك مما هو ذو صلةٍ بالآخرة!
لقد أنزلَ اللهُ تعالى دينَه القَويم لتستقيمَ به أحوالُنا ولنُقوِّمَ به ما اعوجَّ منها تقويماً لا مناصَ منه إن نحن أردنا أن نكونَ من “أُولي الألباب” الذين يعقلون. فإعمالُ “العقلِ” هو ليس بأن نُسلِمَ قِيادَنا إلى “العقل” هكذا ومن قبلِ أن نُوطِّنَه على الإيمانِ بالله واليومِ الآخر حتى يُصبحَ العقلَ الذي امتدحَ اللهُ تعالى مَن يحرصُ على إعمالِه في كلِّ أمرِه. أما إن نحن افترضنا أنَّ “العقلَ” لا يملكُ إلا أن يقولَ الحقَّ ويهدي السبيل، حتى وإن لم يُوَطَّن على الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخر، فإنَّ ذلك لن يجعلَنا من أُولي الألبابِ الذين امتدحهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم! فاللهُ تعالى قد رزقَنا “عقلاً” إن نحنُ حكَّمناهُ في أمرِنا من قبلِ أن نُوطِّنَه على الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخر فلن يقودَنا إلا إلى الضلال المبين، وإن نحن اضطررناه إلى الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخرِ اضطراراً يُعينُنا عليه ما فرضَه اللهُ تعالى علينا من صنوفِ العبادات فعندها، وعندها فقط، يصبحُ “العقلُ” العقلَ الذي امتدحَ اللهُ تعالى أصحابَه في قرآنِه العظيم. ولذلك أمرَنا اللهُ تعالى بأن نؤمنَ به بالغيب. فالإيمانُ باللهِ بالغيب هو الذي يضطرُّ “العقلَ” إلى أن يرتقيَ حتى يُصبحَ العقلَ الذي لا ضيرَ هنالك على الإطلاق في الاحتكامِ إليه وفي تحكيمِه في كلِّ أمورِنا.
ومن هنا كان الإيمانُ بالمعجزاتِ والكرامات مما يُعينُ على جعلِ “عقولِنا” ترتقي لنُصبِحَ بها من “أولي الألباب”. فالإيمانُ بالمعجزاتِ والكرامات هو في حقيقته إيمانٌ باللهِ بالغيب. وكلُّ مَن يُحكِّمُ “العقلَ” في المعجزاتِ والكرامات لن ينتهيَ به الأمرُ إلى إنكارِ البعثِ والنشورِ فحسب، ولكنَّه سيجدُ “عقلَه” يضطرُّه إلى إنكارِ وجودِ اللهِ لا محالة، وذلك طالما كان في القولِ بوجودِ الله ما يتعارضُ مع أحكامِ هذا “العقل”!
إنَّ الإيمانَ بالمعجزاتِ والكرامات هو إيمانٌ باللهِ تعالى الذي يقومُ التديُّنُ الحَق بدينِه الحق على أساسٍ من الإيقانِ بألا سبيلَ ليكونَ واحدُنا من أولي الألباب إلا بأن يرقى بـ “عقلِه” إلى مصافي أولي الألباب الذين لم يرضوا بأن يحتكموا إلى “عقولِهم” فيُحكِّموها في أمورِهم قبل أن ترتقيَ إلى ما يجعلُها أهلاً لأن يُحتكمَ إليها أما وقد توطَّنت على الإيمانِ باللهِ بالغيب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s