لماذا كرَّمَ اللهُ تعالى بَني آدمَ وفضَّلهم على كثيرٍ مِمَّن خلقَ تفضيلا؟

يُصِرُّ الذين يأبَونَ إلا أن يُغالوا في تعظيمِ الإنسان على القولِ فيه بما لا يتَّفِقُ مع ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم! ومن ذلك زعمُهم بأنَّ اللهَ تعالى قد كرَّمَ الإنسانَ تكريماً يبرهنُ على “أفضليَّتِه” على كثيرٍ ممن خَلقَ الله! ويستشهدُ هؤلاء على ذلك بالآية الكريمة 70 من سورة الإسراء (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا). وهذا إن دلَّ فإنَّما يدلُّ على أنَّ القومَ ما قَدَروا القرآنَ العظيم حقَّ قَدرِه إذ ظنُّوا أنَّ بمقدورِ عقولِهم أن تَقعَ على المعنى الذي تنطوي عليه آياتُه الكريمة حتى وإن قرأوها دون تفكُّرٍ ولا تدبُّر! ولقد فاقمَ الأمرَ سوءاً أنَّ هذه القراءةَ، المفتقرةَ إلى التفكُّرِ والتدبُّر، لم تكن بلسانِ القرآنِ العربي المُبين! فلسانُ القرآنِ العربي المُبين يتمايزُ عن لسانِنا العربي المعاصر في أحايينَ كثيرة، وهذا أمرٌ إن نحن لم نُقِر به فلن يكونَ بمقدورِنا أن نُحيطَ بمعنى الكثيرِ من آياتِ قرآنِ اللهِ العظيم.
فالقومُ يقرأون الآيةَ الكريمة 70 الإسراء أعلاه وفقَ ما يُمليهِ عليهم هذا الانبهارُ من جانبِهم بالإنسان، الذي هو إن كان دون الله عندهم، فهو فوقَ كلِّ مخلوق! ولو أنَّ القومَ قرأوا هذه الآيةَ الكريمةَ بتفكُّرٍ وتدبُّر، وبِلسانِها العربي المبين، لما خالوها تؤيِّدُ زعمَهم بأنَّ الإنسانَ على شيء حتى وإن لم يكن كذلك! فاللهُ تعالى إذ كرَّمَ الإنسانَ، وفضَّله على كثيرٍ ممَّن خلقَ تفضيلا، فما ذلك إلا ليَميزَ الخبيثَ من الطيب وليتبيَّنَ الإنسانُ هذا الذي هو عليه من حالٍ مع اللهِ تعالى شكراً له أو كفراً به. فعِلةُ الإفضالِ الإلهي على بَني آدم ليس بالعسيرِ تبيُّنُها إن نحن تدبَّرنا ما حفظتهُ لنا الآيةُ الكريمة 40 من سورة النمل مما قالَه سيِّدُنا سليمان لمَّا رأى عرشَ الملكةِ مستقراً عنده: “هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ”. فلقد تبيَّنَ سيدُنا سليمان أنَّ فضلَ اللهِ تعالى عليه إنما هو فتنةٌ له ليبتليَه أيشكُر أم يكفر. وهذا الذي تبيَّنَه سيدُنا سليمان هو ما كان ينبغي أن يتبيَّنَه أولئك الذين أخطأوا التعليلَ لفضلِ اللهِ تعالى على الإنسان إذ ظنُّوه إشعاراً بعظيمِ منزلتِه ورفيعِ قَدره! فاللهُ تعالى إذ كرَّمَ بَني آدمَ وفضَّلهم على كثيرٍ ممن خلقَ تفضيلاً، فإنَّه بذلك قد ابتلاهم بهذا التكريم والإفضال حتى يتمايزَ شاكرُهم عن كافرِهم، ولا علاقةَ للأمرِ بعظمةِ الإنسانِ المزعومةِ هذه!

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s