في دَحضِ وتفنيد التفسيرِ الأسطوري (الميثولوجي) للدين

يُبرهنُ مُنظِّرو “علمِ الاجتماعِ الديني” على افتقارِهم إلى ما ينبغي أن يكونَ عليه الباحثُ الحصيفُ الرصين من نزاهةٍ وتجرُّدٍ وموضوعية، وإلمامٍ بمادةِ بحثِه، بهذا الذي هم عليه من اقتصارٍ على تسليطِ “الضوءِ المعرفي” على قدرٍ ضئيل من “الطيف الديني” للإنسان. ولقد عادَ عليهم هذا “السلوكُ اللاعلمي”، وغيرُ المنهجي، بما جعلَ من نِتاجِهم المعرفي بعيداً كلَّ البُعدِ عن أن يكونَ مما يستحقُّ أن يؤخذَ به ويُقتبسَ منه ويُستندَ عليه! ولقد زادَ الطينَ بِلة، وفاقمَ أمرَ القومِ مهانةً وذِلة، أنهم التجأوا إلى ما بين أيديهم من أساطيرِ الأولين، فقرأوا بها قرآنَ اللهِ العظيم قراءةً انتهت بهم إلى عينِ ما انتهوا إليه بمقاربتهم الأسطورية (الميثولوجية) هذه للعهدِ القديمِ والعهدِ الجديد! فإذا ما تبيَّنَ لهؤلاء “العلماء” أنَّ في أساطيرِ الأولين إشاراتٍ إلى هذه أو تلك من القصص التي حفظَ لنا منها قرآنُ اللهِ العظيم ما شاءَ اللهُ ربُّ العالمين، فإنَّ ذلك، ومن وجهةِ نظرهم، دليلٌ على أنَّ ما وردَ في القرآن مقتبسٌ من تلك الأساطير!
ولقد ظنَّ هؤلاءِ “العلماء” أنَّ مما يؤيِّدُ ويؤكِّدُ مزاعمَهم هو أنَّ كثيراً من القصَصِ التي يشتملُ عليها العهدُ القديم، وكذلك العهد الجديد، مأخوذةٌ هي الأخرى من الذي بين أيديهم من أساطيرِ الأولين! وهذا الذي انتهجَه القومُ في مقاربتِهم للقرآنِ العظيم لا يختلفُ في شيءٍ، على الإطلاق، عما كان يقولُ به الأقدمون في سياقِ التهكُّمِ والتهجُّمِ على ما جاءهم به أنبياؤهم المرسَلون: (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (من 25 الأنعام)، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (31 الأنفال)، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (24 النحل).
فيكفي مُنظِّرو “علم الاجتماع الديني” إيغالاً في النأي والابتعادِ عن الحقيقة أنَّهم ما جاءوا بشيءٍ جديد، وأنَّهم إنما يُردِّدون ويُكرِّرون مزاعمَ أشياعِهم وأمثالِهم وأشباهِهم من القومِ الأقدمين (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ. قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (81- 83 المؤمنون).
ويدحضُ مزاعمَ هؤلاء “العلماء”، ويفنِّدها، أن نستذكرَ “الحقيقةَ التاريخية” التي أخفقَ هؤلاءِ في تبيَّنِها والإحاطةِ بها، والتي مفادها أنَّ دينَ اللهِ تعالى قديمٌ قِدَمَ ظهورِ الإنسانِ على هذه الأرض، وأنَّ هذا الدين لم يبدأ مع سيدِنا إبراهيم، كما يحلو لهؤلاءِ أن يظنوا ويتوهموا، وأنَّ “أساطيرَ الأولين” ما هي إلا “دخانُ نارٍ” تعودُ أصولُها إلى آدمَ، أبي البشر، الذي أنزلَ اللهُ تعالى عليه أولى رسالاتِه، والتي سرعانَ ما انحرفَ عن جادَّتِها وطريقِها المستقيم ذُرياتٌ من بَنيه أشركوا باللهِ تعالى فحادوا بذلك عن الطريقِ القويم، واستحالَت حقائقُ دينِ آدمَ على أيديهم إلى أساطيرَ ظنَّ “علماءُ الاجتماعِ الديني” أنَّها الأصلُ الذي اقتبسَ منه القرآنُ العظيم قصَصَه كما فعلت من قبلُ التوراةُ والإنجيل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s