هل حقاً قَدَرنا قرآنَ اللهِ العظيم حقَّ قَدرِه؟

شَكا سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قومَه إلى اللهِ تعالى بقولِه الذي حفظته لنا سورةُ الفرقان في الآيةِ الكريمة 30 منها (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا). ولا أظنُّ أنَّ حالَنا اليومَ مع قرآنِ اللهِ العظيم بأحسنَ من حالِ قومِ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم الذين هجروا القرآن! فنحن نقرأُ القرآنَ بعقولٍ تُؤثِرُ الإلتجاءَ إلى “كتبِ التفسير” على القيامِ بما يقتضيه منا أمرُ اللهِ تعالى لنا بأن نتدبَّرَ آياتِه الكريمة بأنفُسنا! فاللهُ تعالى لم يأمرنا بأن نُعطِّلَ عقولَنا ونستعيضَ عنها بما بين أيدِينا من “كتبِ التفسيرِ” هذه فحسب! فالقرآنُ قد يسَّرَه اللهُ تعالى للذكرِ والتدبُّر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (22 القمر)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد). فلو كان القرآنُ عَصِياً على “التفكُّرِ والتدبُّر”، فلماذا قالَ اللهُ تعالى إذاً بأنَّه قد جعله مُيسَّراً للذكر والتدبُّر؟!
لقد دعا اللهُ تعالى المُشكِّكين في إلهيةِ قرآنِه العظيم لأن يتدبَّروه، وبيَّنَ لهم أنَّهم إن فعلوا ما يأمرُهم به فلن يكونَ بالعسيرِ عليهم أن يتبيَّنوا أنَّه كتابٌ لا يمكنُ أن يكونَ من عند غير الله. فقراءةُ القرآن، بتدبُّرٍ وتفكُّر، ميسورةٌ لكلِّ واحدٍ منا شريطةَ أن يكونَ على شيءٍ من العلمِ بلسانِه العربي المبين. ولا ضيرَ في أن يستعينَ واحدُنا بما جاءَ في “كتبِ التفسير” التي بين أيدينا، على ألا يكونَ ذلك مدعاةً إلى الإحجامِ عن إعمالِ العقلِ فيما نقرأ منه، وذلك حتى تكونَ قراءَتُنا مستوفيةً لما يقتضيه التدبُّرُ والتفكُّر.
لقد جانبَ الحقَّ والصواب أولئك الذين يُريدون منا أن نقصِرَ تدبُّرَنا لقرآنِ اللهِ العظيم على ما وردَ في “كتب التفسير”، وذلك بحجةِ أنَّنا أبداً لن يكونَ بمقدورِنا أن نأتيَ بأفضل مما جاءتنا به! فلكأنَّ الأمرَ منافسةٌ بين “أوَّلين” و”آخِرين” أيُّهم يكونُ له قصبُ السَّبقِ في هذا المضمار! فلماذا لا يكونُ الأمرُ خلافَ هذا الذي يصولُ في أذهانِ القومِ ويجول؟ ولماذا لا تكونُ مقاربتُنا لقرآنِ اللهِ العظيم لا تستبعدُ من الحقِّ شيئاً قديمِه وحديثِه؟!
إنَّ للقرآنِ علينا حقوقاً لاينبغي أن نُفرِّطَ فيها، ومن هذه الحقوق أن نُقصِيَ كلَّ ما هو ذو صلةٍ بعقلية المؤامرة! فليس كلُّ مَن رامَ تدبُّرَ القرآن “عدو” بالضرورة! وليست كلُّ مقاربةٍ للقرآنِ لا تقصرُ مسعاها على ما جاءتنا به “كتب التفسير” مُقدَّراً لها الإخفاق!
فمتى سيُدرِكُ أولئك الذين يُريدونَ منا ألا نُعمِلَ عقولَنا لنتدبَّرَ القرآنَ، مخافةَ أن يكونَ فيما سننتهي إليه ما يجعلُ من الناسِ يضلون السبيل، أنَّهم ما قَدَروا عقولَنا حقَّ قدرِها! فأيُّ حُسنُ ظنٍّ هذا بعقولِ الناس إذا كنا نخافُ عليها من هذا القولِ أو ذاك؟! أوليس هؤلاءِ الذين يُنكِرون علينا إعمالَ عقولِنا لنتدبَّرَ القرآن هم مَن قالوا لنا بأنَّ اللهَ تعالى قد كرَّمَ الإنسانَ على الحيوان بعقلٍ كفلَ له به أن يتبيَّنَ الحقَّ من الباطل؟! فأي تناقضاتٍ هذه التي ما أوقعَ القومَ فيها إلا هذا الإصرارُ من جانبِهم على “تعطيلِ عقولِهم” والاكتفاءِ بجعلِها لا تُحسِنُ غيرَ الدورانِ في فَلَكِ السابقين ناسينَ، أو متناسين، أنَّ اللهَ تعالى قد كفلَ لقرآنِه العظيم حِفظاً من لدُنه لا خوفَ بعده على القرآنِ!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s