هل عادَ آدمُ إلى الأرضِ ليكونَ فيها خليفةً كما كانَ عندما غادرها إلى الجنة؟

جعلَ اللهُ تعالى أبانا آدمَ في الأرضِ خليفة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة). فما هو المقصود بكلمة “خليفة” هنا؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ السياقَ القرآني الذي وردت هذه الكلمة خلاله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). فالأرضُ كان يسكنُها قومٌ أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يُبيدَهم عن بكرةِ أبيهم إبادةً شاملةً لم تُبقِ على أحدٍ منهم. ولأنَّ الأمرَ اقتضى أن تتكفَّلَ الملائكةُ بهذه الإبادةِ الشاملة، فلقد قالَ اللهُ تعالى لهم بأن يُبقوا على أبينا آدم “خليفةً” من بعدِ إهلاكِ القومِ المفسدين. و”الخليفةُ” هنا هو الذي استثناهُ اللهُ تعالى من عذابِه ونجَّاهُ من المصير الذي انتهى إليه القومُ المفسدون. ولقد أصبح بذلك آدمُ “خليفةً” في الأرض من بعدِ هلاكِ من كان يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء.
ومعنى كلمة “خليفة” هنا لا علاقةَ له أبداً بما ألحقَناه به من “إضافاتٍ” لغايةٍ في أنفسِنا! وإذا كان آدمُ قد تعيَّنَ عليه أن يُغادرَ الأرضَ إلى جنةِ السماء السابعة، فإنَّ عودتَه إلى الأرضِ منها لا ينبغي أن تجعلَ منه “خليفةً” فيها! فآدمُ عادَ إلى الأرضِ ولم يكن فيها أحدٌ ممن كان يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ أكلَ آدمَ من الشجرةِ التي نهاه اللهُ عنها قد حتَّم عليه ألا يبقى “إنساناً في أحسنِ تقويم”، وذلك نظراً لما تسبَّبت به تلك الأكلةُ من أضرارٍ لحقت ببُنيتِه جعلته إنساناً ضعيفاً من بعد “قوةِ أحسن تقويم” (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء).
فاللهُ تعالى خلقَ آدمَ في أحسنِ تقويم إنساناً قوياً لا اعتلالَ يُخالطُ تكوينَه، وذلك بالمقارنة مع ما أصبحَ عليه من ضعفٍ من بعدِ أكلِه من تلك الشجرة. ولقد حتَّمَ هذا “الضعفُ” الذي أصبح عليه الإنسانُ، من بعد أكل أبوَيه من تلك الشجرةِ، أن يُعانيَ الأمرين وهو يشقى كدحاً إلى الله حتى يلاقيه يوم الحساب.
فكفانا تبجُحاً وتشدُّقاً وتباهياً على الخلق بقولنا إن كلَّ إنسانٍ قد جعلَه الله في الأرض خليفة! فأيُّ خليفة هذا الذي عادَ يفسدُ في الأرضِ ويسفك الدماء كما كان أولئك الذين أبادهم اللهُ تعالى وأبقى على آدم خليفةً من بعدهم؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s