في معنى قولِهِ تعالى “أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ”

لماذا وصفَ كفارُ قريش قولَ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم لهم “إنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ” بأنه “شيءٌ عُجاب”؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ هذا الذي هو عليه الإنسانُ في كلِّ زمانٍ ومكان، ومهما تعدَّدت منه وتنوَّعت الأشكالُ والأجناسُ والأعراقُ والثقافات والعقائدُ والألوان، من إيثارٍ لكلِّ ما يتوافقُ مع ما يقضي به العقلُ ويحكُم! فالإنسانُ أسيرُ عقلِه الذي هو بدورِه رهينُ نفسِه وعبدُ هواها. فإذا كان العقلُ يتعذَّرُ عليه، وحدَه، أن يُرجِعَ الأمورَ كلَّها إلى الله، فيقولَ في كلِّ ما يعرضُ له ويراه من وقائعِ الوجودِ وأحداثِه إنها لا يمكنُ أن تخضعَ لسلطانِ إلهٍ واحدٍ هو الله، فأنَّى للإنسانِ ألاَّ يحتكمَ لما يقولُ به عقلُه هذا؟! ولذلك فلقد جنحَ الإنسانُ، ومنذ بداياتِه الأولى، إلى الحيودِ عن توحيدِ اللهِ تعالى فاتَّخذَ له آلهةً تعدَّدت وتنوَّعَت بتعدُّدِ وتنوُّعِ معتقداتِه وثقافاتِه. وهذه حقيقةٌ لا يملكُ كلُّ مَن تدبَّرَ مسيرةَ الفكرِ البشري غيرَ أن يُقِرَّ بها. فالإنسانُ مُشرِكٌ بطبعِه وتطبُّعِه! وكلُّ مَن يقولُ في الإنسانِ خِلافَ ذلك إنما هو من أولئك الذين يُصِرُّونَ على الإذعانِ لما تأمرُهم به النفسُ، طالما كان في ذلك ما يتَّفِقُ مع نفورِها من الحقِّ واستساغتِها للباطل! وهذا هو عينُ ما بوسِعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ يوسف في الآيةِ الكريمة 106 منها (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ).
ولذلك فلم يكن كفارُ قريش بِدعاً من بَني آدم حتى لا يقولوا فيما جاءهم به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من أن “اللهَ إلهٌ واحد” ما قالوه من أن ذلك “لشيءٌ عُجاب”. فالقومُ ما كان بمقدورِهم أن يُخالِفوا ما وقرَ لدى عقولِهم من أنَّ إلهاً واحداً يستحيلُ عليه أن يكونَ إلهَ كلِّ شيء! وهذه هي ذاتُ الحجةِ التي يُسوِّغُ بها الإنسانُ لإشراكِه باللهِ تعالى وتعديدِه للآلهة! وإن نعجب فعجبٌ ما يقولُ به علماءُ الاجتماعِ الديني من أنَّ البشريةَ بدأت مشوارَ تديُّنِها مُشرِكةً ثم انتهى بها الأمرُ إلى التوحيد!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s