حول أبرز المحطات التي شهدها تاريخُ الإنسان منذ أن خلقَ اللهُ تعالى أبانا آدم وحتى بدايةِ انتشارِنا في الأرض

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ من ترابِ هذه الأرضِ وطينِها (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) (من 2 الأنعام)، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) (من 20 الروم).
ثم أنَّ اللهَ تعالى قضى أجلاً تعيَّنَ على الإنسانِ بمقتضاهُ أن ينفخَ اللهُ تعالى فيه من روحه نفخةً سوَّته وصيَّرته “إنساناً في أحسنِ تقويم” (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4 التين).
وكانت نهايةُ هذا الأجَل إيذاناً ببدءِ محطةٍ جديدة في حياةِ الإنسان وذلك عندما جعلَ اللهُ تعالى أبانا آدمَ “في الأرضِ خليفةً” استثناهُ عليه السلام من العذابِ الذي أمرَ ملائكتَه الكرام بأن يُنزِلوه بساحةِ مَن كان “يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء” (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) (من 30 البقرة).
ولأنَّ هذه الإبادةَ الشاملةَ اقتضت وجوبَ ألا يكونَ لأبينا آدم تواجدٌ في الأرض، فلقد تعيَّنَ عليه أن يُغادِرَها إلى جنةِ المأوى (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (من 19 الأعراف).
ولأنَّ أبوَينا، آدمَ وزوجَه، أكلا من شجرةِ الجنة التي نهاهما اللهُ تعالى عن الأكلِ منها (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (من 35 البقرة)، فلقد تعيَّنَ عليهما أن يعودا إلى الأرضِ ثانيةً. والمدةُ من الزمانِ التي قضاها أبوانا آدمُ وزوجُه في الجنة هي الأجلُ الذي أشارت إليه سورةُ الأنعام في الآية الكريمة 2 منها بقولِه تعالى (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ).
ولأنَّ أكلَ أبوَينا، آدمَ وزوجِه، من تلك الشجرة نجمت عنه “تضرراتٌ” سَرَت في دمِهما، فلقد اقتضى الأمرُ أن يُصارَ إلى إخراجِهما من الجنة وإرجاعِهما إلى الأرض (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف).
وبذلك فلقد ابتدأت محطةٌ جديدة في تاريخ الإنسان، وذلك بعودةِ أبوَينا آدم وزوجِه إلى الأرض، ولتبدأَ بعدها مرحلةُ انتشارِ الجنس البشري في الأرض (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) (20 الروم).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ أبانا آدمَ قد جعلَهُ اللهُ تعالى خليفةً في الأرض، وذلك قبل أن يرفعَه إلى جنةِ المأوى، وأنَّ هذا الاستخلافَ الإلهي قد حدثَ قبلَ أن يأكلَ آدمُ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ تعالى عنها، وأنَّه عليه السلام عندما عادَ إلى الأرضِ ثانية لم يكن ذاك الخليفة الذي كان عليه قبل أن يُرفعَ إلى الجنة!
فمتى سيدركُ أولئك الذين في قلوبِهم مرضٌ وغرض ألا جدوى هنالك على الإطلاق من التذرُّعِ بـ “خلافة آدم” وسيلةً للتسيُّدِ على رقابِ العباد، أما وقد تبيَّنَ لنا أنَّ السياقَ القرآني يشهدُ بأنَّ آدمَ كان قد جعلَه اللهُ تعالى خليفةً في الأرض لِعلةٍ ذاتِ صلةٍ بإهلاكِ اللهِ تعالى لمن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء، وأنَّ هذه العلةَ لا يمكنُ أن يكونَ لها ما يجعلُ من كلِّ إنسانٍ “في الأرضِ خليفةً” هو الآخر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s