موقفُ القرآنِ مِنَ العقل


خلقَ اللهُ تعالى العقلَ وحدَّدَ له المجالَ الذي بمقدورِه أن يتحرَّكَ فيه. فالعقلُ لم يُخلَق ليتعاملَ مع ما لم يُقدَّر له أن يُحيطَ معرفياً به. وكلُّ محاولةٍ من جانبِ العقلِ ليتجاوزَ المجالَ الذي قُدِّرَ له أن يتحرَّكَ ضمن حدوده محكومٌ عليها بالإخفاقِ الذريع. إلا أنَّ الإنسانَ أبى إلا أن يتطلَّعَ إلى أبعدِ مما قُدِّرَ له أن يُحيطَ به، فكان أن اضطرَّ عقلَه إلى أن يخوضَ فيما لا قدرةَ له على التعامُلِ المعرفي معه فكانت الكارثة! فلقد نجمَ عن إعمالِ الإنسانِ لعقلِه فيما لم يُخلَق ليُحيطَ به ما عادَ عليه بما جعلَه يُوغِلُ في الخَوضِ بعيداً عن الحقيقةِ التي ظنَّ أنَّه قادرٌ على أن يصِلَ إليها بمفرده! ولو أنَّ الإنسانَ اكتفى بما قُدِّرَ له أن يتعاملَ معرفياً معه لكانت الدنيا غيرَ الدنيا، ولَما كنا لنخوضَ في دماءِ بعضِنا البعض ظناً منا وتوهماً أنَّ ذلك هو مما يقتضيه الذَّودُ عن حَومةِ الدين الذي لم نتديَّن به التديُّنَ الحق الذي أمرَنا اللهُ تعالى به في قرآنِه العظيم!
وحالُنا في هذا الشرق هو واللهِ جدُّ عجيب، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بما قصَرنا عقولَنا على الانشغالِ به مما غُيِّبَ عنا من أمورِ دينِنا وبما أحجَمنا عن التعامُلِ المعرفي معه من أمورِ دُنيانا. فاللهُ تعالى زوَّدَ الإنسانَ بعقلٍ قدَّرَ له أن يتعاملَ مع ظاهرِ الحياةِ الدنيا دون أن تكونَ له المقدرةُ على أن يتعاملَ مع ما غُيِّبَ عنه منها وما لم يُخلَق ليُحيطَ به من أمورِ الآخرة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون) (من 6- 7 الروم).
ولكننا أبَينا إلا أن نُعرِضَ عن الإنشغالِ بما هو ذو نفعٍ لنا في دُنيانا من علمٍ بظاهرِها، وآثرنا أن نخوضَ فيما لم يُقدَّر لنا أن نُحيطَ به من أمورِ أُخرانا، فكان أن ضيَّعنا بذلك دُنيانا وأخرانا! ولو أنَّنا سلَكنا دربَ أهلِ الغربِ في إحسانِ وإتقانِ التعامُلِ مع ظاهرِ الحياةِ الدنيا لكان حالُنا اليوم لا يقِلُّ شأناً ولا شأواً عنهم إحاطةً بالعلومِ والتقنيات وبكلِّ ما به تتيسَّرُ أمورُ العَيشِ وتطيب! ولكن أنَّى يكون لنا ذلك ونحن ما قدَرنا اللهَ حقَّ قدرٍه ولا تدبَّرنا القرآنَ كما أُمِرنا؟!
لقد يسَّرَ اللهُ تعالى للإنسانِ ظاهرَ الحياةِ الدنيا وجعلَ بمقدورِ عقلِه أن يُحيطَ بمفرداتِه، في الوقتِ الذي اختصَّ به نفسَه كلَّ ما هو ذو صلةٍ بباطنِ الحياةِ الدنيا وبما تنطوي عليه الآخرةُ من خبايا وأسرار لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يُحيطَ بها ما لم يُعلِّمه اللهُ منها ما يشاء (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) (من 269 البقرة)، (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (من 54 النساء).
فاللهُ تعالى لم يجعل بمقدورِ العقلِ أن يتجاوزَ الحدودَ المعرفيةَ التي فرضها عليه حتى يكونَ لكلِّ مَن هبَّ ودَبَّ منا أن يقولَ فيما غُيِّبَ عنا ما تشاءُ له نفسُه ويُزيِّنه له هواه! فكلُّ علمٍ بباطنِ هذه الحياةِ الدنيا، وبما تنطوي عليه الآخرةُ من خبايا وأسرار، ما أحاطَ به مَن علِمُه إلا بما علَّمه اللهُ تعالى منه. فاللهُ تعالى هو الذي علَّمَ سيِّدَنا يعقوب علماً اختصَّه به فأصبحَ به ذا علمٍ حُجِب عن غيرِه ممن لم يُطلعهم اللهُ تعالى عليه (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (من 68 يوسف)، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (من 76 يوسف).
واللهُ تعالى هو مَن علَّم سيدَنا يوسف من تأويلِ الأحاديث. ولولا أنَّ اللهَ تعالى علَّم سيدَنا يوسف من هذا التأويل، ما كان له عليه السلام أن يعلمَ “بعقلِه” منه شيئاً (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (من 6 يوسف)، (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) (من 37 يوسف)، (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (من 101 يوسف).
ولقد جعلَ اللهُ تعالى العلمَ الذي آتاهُ الإنسانَ محدوداً بمُحدِّداتٍ أوجبَتها مدى حاجتِه إليه، ولذلك قال اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (من 85 الإسراء). فهذا القليلُ من العلم الذي آتانا الله إياه في قرآنِه العظيم هو كلُّ ما نحتاجُ إليه حتى يُحييَنا اللهُ حياةً طيبةً في الدنيا والآخرة إن نحن اتبعنا هُداه الذي أرسل إلينا به أنبياءه المرسَلين.
فمتى سندرك مدى الحكمةِ البالغة التي ينطوي عليها حديثُ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم “اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لِما خُلِقَ له”، فيكونُ لنا أن نُحسِنَ ونُتقِنَ التعاملَ مع عقولِنا فلا نضطرُّها إلى الخوضِ فيما لم تُخلَق للتعاملِ معه، ولا نُحجِمُ عن إعمالِها فيما خُلِقت لتُحيطَ به فنُعرِضَ عن حرام الله وننتفعَ بحلالِه؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s