لماذا ضمَّنَ اللهُ تعالى قرآنَهُ العظيم آياتٍ مُتشابهات إضافةً إلى آياتِهِ المُحكَمات؟

ما هي قصةُ “الآياتِ المُتشابهات” في قرآنِ اللهِ العظيم؟ وما هي العلةُ من وراءِ تضمينِ اللهِ تعالى لها في قرآنِه العظيم؟ ولماذا لم يكتفِ اللهُ تعالى بأن يكونَ قرآنُه العظيم مشتملاً على آياتِه المُحكَماتِ فحسب؟ ولماذا قالَ اللهُ تعالى عن آياتِه المتشابهاتِ هذه إنَّه وحدَه مَن يعلمُ تأويلَها؟ أسئلةٌ ليس بالعسيرِ أن نُجيبَ عليها إن نحنُ تدبَّرنا قرآنَ اللهِ العظيم متجرِّدينَ عن كلِّ ما تدعونا إليه النفسُ ويؤازِرُها عليه الهوى.
بدايةً لابد لنا من أن نستذكِرَ السياقَ القرآني الجليل الذي لولاه ما كنا لنعلمَ أنَّ في القرآنِ العظيم “آياتٍ متشابهات”، وألاّ أحدَ إلا الله بقادرٍ على أن يعلمَ تأويلَها (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (7 آل عمران).
يتكفَّلُ تدبُّرُ قرآنِ اللهِ العظيم بالإجابةِ عن كلِّ سؤالٍ يَعرِضُ لنا ما ابتعدَ عن الخوضِ فيما تشابَه منه. فتدبُّرُ قرآنِ اللهِ العظيم كفيلٌ بأن يُجيبَنا على الأسئلةِ التي استُهِلَّ بها هذا المنشور، وذلك إذا ما تذكَّرنا أنَّ اللهَ تعالى قد قالَها في قرآنِه العظيم جَليةً واضحة: (الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (1- 3 العنكبوت). فاللهُ شرَعَ “فِتنةَ عِباده” سُنةً لا يحيدُ عنها، وهو تعالى القائلُ (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (من 60 الإسراء).
فاللهُ تعالى إذ يفتِنُ الناسَ، فإنَّه إنما يريدُ أن يبتلِيَهم ويمتحنَهم حتى يتبيَّنَ المؤمنون ويتمايزَ عنهم المنافقون (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (من 154 آل عمران)، (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (37 الأنفال)، (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (3 العنكبوت).
فاللهُ تعالى يفتِنُ الناسَ بآياتِ قرآنِه المتشابهات. وتتعدَّدُ طرائقُ اللهِ تعالى في فِتنةِ الناس، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الحج في الآيتين الكريمتَين 52- 53 منها (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ). وكذلك بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ البقرة في الآية الكريمة 26 منها (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ). وتكشفُ لنا “آيةُ البعوضة” هذه عن الموقفِ الصائبِ الذي ينبغي على كلِّ “مَن آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ وعمِلَ صالحاً” أن يتَّخذَه حِيال هكذا فتنةٍ فتنَ اللهُ تعالى بها الناس، ألا وهو بأن يكونَ حالُه مع اللهِ تعالى حالَ أولئك الذين “يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ”. وهذا هو عينُ ما يقولُهُ “الراسخونَ في العلم” كلما عرضت لهم آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى المتشابهات “وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s