في معنى قولِ اللهِ تعالى “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ”

خرجَ علينا المُنبهرونَ بالعِلم بِفِريةٍ سمَّوها “الإعجازُ العلمي للقرآن” توهَّموا أنَّها ستُفنِّدُ دعاوى المُشكِّكين بإلهيةِ هذا القرآن! ولقد ابتدع هؤلاءِ تأويلاتٍ لبعضٍ من آياتِ القرآنِ العظيم ظنوا أنَّ بمقدورِها أن تُبرهِنَ على أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله! ومن هذه التأويلات المُفتراة تأويلُهم للآيةِ الكريمة (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (47 الذاريات)، والذي عدُّوه “سَبقاً عِلمياً” يُحسَبُ للقرآن إذ قال بـ “توسُّع الكون”، وذلك قبل أن يخرجَ علينا بعضٌ من علماءِ الفلَك المعاصرين بنظريةٍ تقولُ بأنَّ الكونَ في توسُّعٍ مستمر!
ويبرهنُ هذا التأويلُ على أنَّ القومَ لا علاقةَ لهم، من قريبٍ أو بعيد، بالقرآنِ العظيم فِقهاً وإدراكاً لما يتمايزُ به لسانُه العربي المبين عن لسانِنا الذي اعوجَّ بتقادُمِ الأعوامِ والسنين! فلو أنَّ القومَ تدبَّروا القرآنَ العظيم لتبيَّنَ لهم أنَّ العبارةَ القرآنيةَ الجليلة “وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ معناها هذا الذي ذهبوا إليه! فـ “المُوسِع” هو “الذي وسِعَ الشيءَ حيازةً له ومُلكاً وتصرُّفاً به فلا يستعصي عليه ولا يتمنَّع”. أما “المُوَسِّع”، فهو الذي يُوسِّعُ الشيءَ فيمدُّه إلى أبعد مما هو عليه انتشاراً لمادتِه وامتداداً. فلو كان الأمرُ كما يتوهَّمُ هؤلاء، لكانت العبارةُ القرآنيةُ “وإنا لمُوَسِّعون”.
فاللهُ تعالى يُوجِّهُ عقولَنا إلى تدبُّرِ عظيمِ قدرتِه التي وسِعَت السماواتِ إذ يقول “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون”، أي “إننا متمكِّنون من السماءِ ومن كلِّ ما يجري فيها من وقائعَ وأحداثٍ إحاطة وعلماً”. وهذا هو عينُ ما جاءتنا به الآيةُ الكريمة 255 من سورة البقرة (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (من 156 الأعراف)، (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) (من 7 غافر)، (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (من 80 الأنعام)، (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (من 89 الأعراف)، (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (98 طه).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s