في معنى قولِهِ تعالى “وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ”

تتوفَّى الملائكةُ الإنسانَ في هذه الحياةِ الدنيا حين موتِه (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (من 61 الأنعام). وتُشيرُ العبارةُ القرآنيةُ الجليلة “وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ”، في هذه الآيةِ الكريمة، إلى حقيقةٍ ذاتِ صلةٍ بما يجري على الإنسانِ حين موتِه. فإذا كان بدَنُ الإنسانِ قد قُدِّر عليه أن تنالَ منه الأرضُ حتى لا يبقى منه شيءٌ غيرُ عظامٍ وترابٍ ورُفاة، فإنَّ نفسَه سيجري التحفُّظُ عليها وديعةً تتسلَّمُها الملائكةُ الذين أُوكِلَ إليهم اصطحابُها إلى “كتابِ الله” الذي ستُودَع فيه في حِفظِ اللهِ حتى يومِ البعث (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (56 الروم).
فإذا كان الإنسانُ من أصحابِ الشمالِ (أصحابِ المشأمة) فإنَّ ملائكةً آخرين، عُهِدَ إليهم بتسلُّمِه يومَ القيامة، سيتوَفَّونَه فيسوقونه إلى جهنمَ خالداً فيها أبداً (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق) (50 الأنفال). وهذا هو عينُ ما جاءتنا به سورةُ الأعراف في آيتِها الكريمة 37 (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِين). وبهذا المعنى أيضاً جاءتنا الآيةُ الكريمة 97 من سورة النساء (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ المُتوفَّى من بَني آدم، من أصحابِ الشمال، يُتوفَّى مرتين: الأولى حين موتِه، والثانية حين يُساقُ إلى نارِ جهنم خالداً فيها أبداً. وأيُّ إشكالٍ بهذا الشأن إنما يعودُ إلى ما شاعَ فينا وراجَ من استخدامٍ خاطئٍ لكلمة “يتوفى”، وذلك بشهادةٍ ودلالةٍ من قولِنا “توفى” بمعنى “مات”!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s