في معنى قولِ اللهِ تعالى “وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ”

يُبالِغُ الإنسانُ في حسنِ ظنِّه بعقلِه! وما مبالغةُ الإنسانِ في تقديرِ عقلِه، دون وجهِ حق، إلا مظهراً من مظاهرِ امتثالِه وإذعانِه لما تأمرُه به نفسُه ويُمليهِ عليه هواه! فالإنسانُ يرضخُ لما يقولُ به عقلُه من أنَّ البعثَ من بعدِ الموت أمرٌ من المستحيلِ حدوثُه! ويسوقُ الإنسانُ من “الحُججِ” و”البراهين” ما يظنُّ أنَّ بمقدورِها أن تدحضَ وتُفنِّدَ ما جاءَه به أنبياءُ اللهِ المرسَلون من أنَّ اللهَ سيبعثُ الموتى يوم القيامة. فالإنسانُ لا يريدُ أن يُصدِّقَ أنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يُحيِيَ الموتى من بعدِ ما أصبحوا عظاماً ورُفاتا، ولذلك كانت هذه هي الحجةَ التي تذرَّعَ بها الكافرون، منذ قديمِ الزمان، ليُسوِّغوا لإعراضِهم عن أنبيائهم المُرسَلين. ولقد تصدَّى قرآنُ اللهِ العظيم لهذه الحجةِ فأقامَ على القائلين بها حجَّتَه البالغة التي فنَّدت زعمهم، وذلك بأن ذكَّرهم بالكثيرِ من الحقائقِ التي لو أنَّهم أحسنوا تدبُّرَها لما وجدوا في البعثِ ما يُريب.
ولقد تعدَّدت وتنوَّعت الآياتُ القرآنيةُ الكريمة التي فصَّلت لحُجةِ اللهِ تعالى على أولئك الذين يُنكرون البعث والقيامة. ومن هذه الآياتِ الكريمة قولُه تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (من 27 الروم). فالقرآنُ العظيم يكشفُ النقابَ في هذه الآيةِ الكريمة عن حقيقةٍ مفادُها أنَّ إعادةَ خَلقِ الإنسانِ أهونُ على الله من خَلقِ اللهِ له أولَ مرة. وهذا أمرٌ لن يكونَ بمقدورِنا أن نتبيَّنَه على الوجهِ الصحيح إلا إذا ما تذكرنا الآياتِ الكريمةَ التالية: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (27 النازعات)، (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات)، (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) (57 غافر).
فتدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة يُبيِّنُ لنا أنَّ بعثَ الموتى يومَ القيامة ليس على اللهِ بعزيز. فاللهُ تعالى خلقَ ما هو أعظمُ من الإنسانِ حجماً وجُرماً. فما الذي يُمثِّلُه الإنسانُ بالمقارنةِ مع السماواتِ والأرض؟! ثم أنَّ اللهَ تعالى خلقَ مخلوقاتٍ تفوقُ الإنسانَ، الذي خلقَه من طينٍ لازب، قوةً ومقدرةً كالملائكةِ والجن.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ إعادةَ خلقِ الإنسانِ من جديد، من بعد أن أصبحَ عظاماً وتراباً ورُفاتاً، ليست بالأمرِ العسيرِ على اللهِ الذي خلقَ ما هو أعظمُ من الإنسانِ كالسماواتِ والأرض والملائكةِ والجن. أفلا تكونُ والحالُ هذه إعادةُ خَلقِ الإنسانِ أهونَ على اللهِ من خلقِ اللهِ له أولَ مرة؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s