هل من سبيلٍ لقهر المستحيل؟

شَرَعَ اللهُ تعالى لعبادِه الدعاءَ سبيلاً كفلَ لهم به أن يكونَ لهم، إن شاء، ما يشاؤون حتى ولو كان في ذلك ما يتناقضُ ويتعارضُ مع قوانينِ الوجودِ التي سبقَ للهِ تعالى وأن سلَّطَها عليه لتجريَ بمقتضاها وقائعُه وأحداثُه بإذنه.
وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الأنبياء من آياتٍ كريمة تبيِّنُ ما للدعاءِ من تسلُّطٍ بإذنِ اللهِ تعالى على كثيرٍ من قوانينِ هذا الوجود: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (83- 84 الأنبياء). وهو عينُ ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ ما حفظته لنا سورةُ ص من قصةِ سيدنا أيوب عليه السلام: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (41- 43 ص). فسيدُنا أيوب عليه السلام كان قد ابتلاهُ اللهُ تعالى بِداءٍ إن كان قد أعجزَ طبَّ زمانِه، فإنه مُعجِزُ كلِّ طبٍّ إلى يوم القيامة. ولكن الله تعالى إذ استجابَ دعاءَ سيدنا أيوب، فإنَّ ذلك قد كفلَ له عليه السلام أن يبرأَ من دائه الوبيل ويشفى.
ولنا في قصةِ سيدِنا زكريا عليه السلام خيرُ برهانٍ على أنَّ الدعاءَ يقهرُ المستحيلاتِ بإذنِ الله. فسيدنا زكريا كان قد أعياهُ السعيُ حتى يكونَ له ولدٌ يرِثُه من بعدِه في هدايةِ القومِ وإرشادِهم إلى اللهِ تعالى، فما كان منه إلا أن توجَّهَ إلى اللهِ تعالى أن يهبَ له من لدنه “ولياً” أما وقد تبيَّنَ له أنَّه لن يعودَ بمقدورِه أن يكونَ له هذا الولَد، فكان أن منَّ اللهُ تعالى عليه بولدٍ من صُلبِه هو سيدنا يحيى عليه السلام (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين) (89- 90 الأنبياء).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ كثيراً مما يُعَدُّ مستحيلاً في نظرِ قوانينِ العلم، وما يقضي به العقلُ ويحكُم، هو ليس كذلك في حقيقةِ الأمر طالما جعلَ اللهُ تعالى الدعاءَ بمقدورِه أن يقهرَ هذه المستحيلاتِ بإذنه. ولذلك أمرَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأن ندعوَه (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (من 60 غافر).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s