حولَ مركزيةِ “الآخرة” في الخطابِ القرآني

لا يملكُ مَن يقرأُ قرآنَ اللهِ العظيم بلسانِه العربي المبين، قراءةً متدبِّرةً لآياتِه الكريمة، غيرَ أن يخرجَ بنتيجةٍ مفادُها أنَّ خطابَ هذا القرآنِ يتمحورُ حول مفردةٍ بِعَينِها يكادُ هذا القرآنُ أن يكونَ قد أُنزِلَ من أجلها هي لا غير! وهذه المفردةُ هي “الآخرة” التي غلبَ حضورُها وتسيَّدَ صفحاتِ قرآنِ اللهِ العظيم فلا تكادُ صفحةٌ منه تخلو من ذكرِها أو من ذكرِ ما هو ذو صِلةٍ بها، فلكأنَّ هذا القرآنَ قد أنزلَهُ اللهُ تعالى بياناً تحذيرياً للإنسانِ من الآخرةِ التي يأبى الإنسانُ إلا أن ينشغلَ عنها بدُنياه، ويُصِرُّ على التغافلِ عن كلِّ ما حذَّرَه اللهُ تعالى بشأنِها ناراً أبديةً كانت أم غيرَ ذلك مما احتوَت عليه واشتملَت جهنمُها!
إنَّ مركزيةَ “الآخرة” في الخطابِ القرآني دليلٌ قاطعٌ بأنَّ هذا القرآنَ لا يُمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله. ويُخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ دينَ اللهِ تعالى قائمٌ على “توازنٍ” مزعومٍ بين الدنيا والآخرة! فإذا كانت الدنيا لا تعني للهِ تعالى شيئاً، فكيف يكونُ لها حظٌّ يؤهِّلُها لأن تقِفَ من الآخرةِ موقفَ النِّد الذي به تكتملُ الحكاية؟! وهل نحن حقاً بحاجةٍ إلى هكذا مقاربةٍ للدنيا والآخرة تجعلُ دينَ اللهِ تعالى يقومُ على هذا التوازنِ المزعومِ بينهما؟!
لقد رجحت كفَّةُ الآخرة منذ أن خلقَ اللهُ تعالى الدنيا لتكونَ معبراً إليها. فمتى سندركُ أنَّ الخيرَ، كلَّ الخيرِ، في الدنيا والآخرة لن يتأتى لنا أن نحظى بشيءٍ منه إن نحنُ أصررنا على هذه المقاربة غير الموفَّقة للدنيا والآخرة، والتي تقفُ الدنيا فيها على قدمِ المساواةِ مع الآخرة؟!
فإذا كان القرآنُ يُبرهنُ على أنَّه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله بهذا الذي تتجلى به الآخرةُ على خطابِه من تسيُّدٍ وغَلَبةٍ جعلتا المشهدَ القرآني يضجُّ بأجواءِ الآخرةِ أنَّى جُلتَ ببصركَ في أرجائه، فلماذا نُعرِضُ عن الآخرةِ بهذا الذي نقولُه فيها وفي الدنيا من قولٍ لا ينبغي لنا ونحن الذين أمرَنا اللهُ تعالى بألا نتَّخذَ إلهين اثنين؟! فاللهُ تعالى جعلَ الخيرَ يسودُ الكونَ كلَّه إلا قليلاً منه أذِنَ للشرِّ بأن يتواجدَ فيه حتى أجَلٍ مسمى. فلماذا نُساوي بين الدنيا والآخرة مساواتَنا بين الخيرِ والشر ظناً منا وتوهُّماً أنَّ في ذلك ما يجعلُ الوجودَ متوازناً بين خيرٍ وشرٍّ ودنيا وآخرة؟!!
لقد آنَ الأوانُ لِنُدركَ بأنَّ القرآنَ كتابُ آخرةٍ لا كتابَ دنيا وآخرة، وأنَّنا لن نُمكَّنَ من الدنيا فِقهاً لأحداثِها، وحيازةً لِحلالِها، واكتساباً لخيرِها إن نحنُ أبصرناها بغيرِ عينٍ تنظرُ إليها فتراها على حقيقتِها: كياناً زائلاً مأجولاً بقيامِ الآخرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s