استخلافٌ لا خلافة!

لا أصلَ قرآنياً للخلافة التي يتشدقُ بها المتزمتون والمتطرفون سعياً من جانبهم إلى الوصولِ لما يمكِّنهم من رقاب العباد ومقاليد البلاد! فالمنادون بالخلافة والمطالبون بالعودة إلى الخلافة إنما يتجاسرون على قرآن الله العظيم بهذا الافتراء المقيت الزاعم بأن اللهَ تعالى قد أمرهم في قرآنه العظيم بالسعي لإقامة الخلافةِ في الأرض! 
ولو أن هؤلاءِ الجُهال بقرآن الله العظيم تبينوا لَما كان هذا هو حالهم مع الله تعالى خروجاً على قرآنه وتعدياً لحدوده وافتراءاً سافراً عليه! فأين في قرآن الله وجد هؤلاء الضالون المضلون الدليلَ والبرهانَ على ما يزعمون؟! فاللهُ تعالى يقول في قرآنه العظيم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من ٣٠ البقرة)، و”الخليفةُ” هنا هو آدمُ وليس أحداً آخرَ غيرَه. فاللهُ تعالى هو الذي “استخلفَ” أبانا آدمَ في الأرض فجعله فيها “خليفةً” وذلك من بعد أن أبادت ملائكتُه من كان “يُفسدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء”. فآدم لم يجعل نفسه في الأرض “خليفةً” حتى يكون لكل من هبَّ ودبَّ من حثالة القوم أن يُنصِّبَ نفسه “خليفةً” على البلاد والعباد!
واللهُ تعالى هو الذي جعل سيدَنا داوود خليفةً في الأرض: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (من ٢٦ ص). فسيدنا داوود لم يجعل نفسه خليفةً في الأرض، ولكن اللهَ تعالى هو من جعله “خليفةً” في الأرض، وذلك من بعد أن مكَّنه من جالوت ويسَّر له وللذين آمنوا مع سيدنا طالوت الإجهازَ على الطاغية وجنوده: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) (من ٢٥١ البقرة). 
فكيف يجرؤُ إذاً الهمجُ الرعاع والسوقةُ الدهماء على أن يختاروا بأنفسهم “خليفةً” من بينهم؟! فالله تعالى هو الذي يستخلفُ من يشاء، وليس الأمرُ لأحدٍ غيرِ الله حتى يجعلَ مَن يشاءُ مِن نفسه “خليفةً” أو حتى تُجمِعَ شرذمةٌ من الصعاليكِ والحمقى والمرضى العقليين على اختيارِ واحدٍ منهم ليكون “خليفةً” له السمعُ والطاعة!
يتبين لنا إذاً، وبتدبر ما تقدم، أن “الخلافةَ” معدومةُ الأصلِ القرآني، وأن الكلمةَ البديلة عنها، والتي لها أصلٌ قرآني، هي “الاستخلاف”، وأن هذا “الاستخلاف” مشروطٌ بضوابطَ ومحدداتٍ لم يأذنِ الله لأحدٍ مِن خلقه بأن يقولَ فيها ما يشاء، أو أن يأذن هو بها لمن يشاء! فالأمرُ كلُّه لله وهو “المستخلِفُ” الذي يجعل من يشاء “خليفةً” في الأرض، وأن كلَّ دعوةٍ إلى “الخلافةِ” لا أصلَ قرآنياً لها.
لقد وعدَ اللهُ تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن يستخلفهم في الأرض. وليس لأحدٍ أن يتوهمَ أن بمقدور أحدٍ من البشر أن يكون له أن يستخلف نفسه، أو أحداً آخرَ غيره، بالاستنادِ إلى مقاربةٍ غيرِ موفقةٍ لما ورد في قرآن الله العظيم من آياتٍ كريمةٍ ذات صلةٍ بالاستخلاف والخليفة! فالله تعالى هو الذي وعد، والله تعالى هو من يُنجز وعده، والله تعالى لا يحتاج أحداً من البشر ينوب عنه في أمرٍ كالاستخلاف اختص به نفسَه فقال في قرآنه العظيم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (من ٥٥ النور). 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s