في معنى قَولِهِ تعالى “قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ”

يكفلُ القرآنُ العظيم لكلِّ مَن يتدبَّرُه أن يخرجَ بنتيجةٍ واحدةٍ مفادُها هو أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). وما ذلك إلا لأنَّ القرآنَ العظيم ليس فيه اختلافٌ، أو تناقضٌ، أو تضادٌّ، أو تعارضٌ، بين آياتِه الكريمة، وذلك على خلافِ ما يميِّزُ الخطابَ البشري من ولوغٍ في الاختلافِ والتناقضِ والتضادِّ والتعارض!
ولذلك قالَ اللهُ تعالى يصفُ قرآنَه العظيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا. قَيِّمًا) (1- من 2 الكهف). فالقرآنُ العظيم لم يجعلِ اللهُ له عِوَجاً يعتورُه، ولذلك قال اللهُ تعالى فيه أنه أنزله “قَيِّماً”، أي ليس فيه اعوجاجٌ في المبنى ولا في المعنى. وهذا هو ذاتُ المعنى الذي تنطوي عليه الآيةُ الكريمة (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) (من 28 الزُّمَر). فاللهُ تعالى قد نفى عن قرآنِه العظيم الاعوجاجَ، وجعلَ في ذلك برهاناً على أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيره، وإلا لكان الاعوجاجُ ظاهراً عليه متفشياً فيه.
وانتفاءُ الاعوجاجِ في القرآنِ العظيم هو ما جعلَ الجِنَّ، الذين صرفَهم اللهُ تعالى إلى رسولِه الكريم صلى اللهُ تعالى عليه وسلم يستمعونَ القرآنَ، يقولون فيه (يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (من 30 الأحقاف). فالكتابُ الذي يهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيم لا يمكنُ أن يكونَ فيه اعوجاجٌ يجعلُ مَن يتَّبعه تتفرَّقُ به السبلُ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (153 الأنعام).
ولذلك فلقد وصفَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بأنَّ فيه صحفاً مُطهَّرة فيها كتبٌ قيِّمة (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (1- 3 البيِّنة). فالقرآنُ العظيم فيه “كتبٌ قيِّمة”، وهي آياتُه التي لم يجعل اللهُ تعالى فيها عِوَجاً، وهو كتابُ دينِ اللهِ القويم، وكتابُ طريقِه المستقيم الذي يهدي إلى الحق المُبين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s