من خصائصِ لسانِ القرآنِ العربيِّ المُبين

تُخفِقُ المقاربةُ النَّحَوية لقرآنِ اللهِ العظيم في كثيرٍ من الأحايين في الوقوعِ على المعنى الذي ينطوي عليه كثيرٌ من آياتِه الكريمة. ولذلك فإنَّ الإصرارَ على هذه المقاربةِ لن ينتهيَ بنا إلا إلى مزيدٍ من النأي والابتعاد عن قرآنِ اللهِ العظيم لينتهيَ بنا الأمرُ بعدها إلى الولوغِ والإيغال في هجرِه الهجرَ الذي شكى رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم قومَه إلى اللهِ تعالى بسببه (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30 الفرقان). وإلا فكيف فاتَ أصحابَ هذه المقاربةِ أن يتبيَّنوا ما اضطرَّتهم إليه مقاربتُهم هذه من تجاسرٍ على قرآنِ اللهِ العظيم انتهى بهم إلى القولِ بما لا يتَّفقُ مع جوهرِ رسالةِ هذا القرآن؟!
فإذا كان اللهُ تعالى قد حدَّثنا بلسانِ قرآنِه العربي المبين، فأخبرنا بما جرى بُعيدَ أكلِ أبوَينا من الشجرةِ التي نهاهما عنها، فقالَ وقولُه الحق: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38- 39 البقرة)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123- 124 طه)، فكيف يتجاسرُ أصحابُ المقاربةِ النَّحوية لقرآن الله العظيم على قولِ اللهِ هذا بقولِهم إنَّ اللهَ يتحدثُ هنا عما حدثَ بعد أن نزلَ أبوانا، آدم وزوجُه، من الجنةِ إلى الأرض؟! وحجةُ القومِ هنا هي أنَّ بَني آدم المخاطبين بقولِ اللهِ تعالى لم يكونوا في الجنة حيث كان أبوانا، وأنَّ خطابَ اللهِ تعالى الوارد في الآيات الكريمة أعلاه كان لبَني آدم على الأرض!
لقد فاتَ أصحابَ المقاربةِ النَّحوية لقرآنِ اللهِ العظيم أنَّ اللهَ تعالى خاطبَ بَني آدم بلسانِ القرآن العربي المبين وليس بلِسانِنا الذي اعوجَّ بمرورِ الأعوامِ وتقادُم السنين! فاللهُ تعالى إذ توجَّه بخطابِه إلى آدمَ وزوجِه، فإنه كان يقصدُ ذريَّتَهما كلَّهم جميعاً. فالله تعالى توجَّهَ بخطابِه إذاً إلى البشرِ كلِّهم جميعاً وإن كان المُخاطَبَ هو آدم وزوجُه! وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 11 من سورة الأعراف (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ). فهذه الآيةُ الكريمة تكشفُ لنا النقابَ عن أنَّ البشرَ كلَّهم جميعاً قد خلقهم اللهُ تعالى يومَ خلقَ أباهم آدم.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الإصرارَ على المقاربةِ النَّحوية لكلِّ آيةٍ من آياتِ القرآنِ العظيم لن ينتهيَ بأصحابها إلا إلى البقاءِ على ما هم عليه من حالٍ مع اللهِ تعالى لا يختلفُ في شيءٍ على الإطلاق عن حالِ مَن سبقَهم من الأُمم الذين تجرَّأوا وتجاسروا على كتابِ اللهِ الذي بين أيديهم بإعمالِ عقولِهم وتحكيمِ منطقِهم فيه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s