ثوابتُ العقلِ وثوابتُ العلم في ضوءِ المعجزات والكرامات وخوارق العادات

يَسَّرَ اللهُ تعالى الوجودَ ليعقِلَ الإنسانُ من وقائِعه وأحداثِه وظواهرِه ما كان منها ذا صِلةٍ بما خُلِقَ الإنسانُ مسؤولاً عنه فيُحاسَبُ عليه يومَ القيامة. ولذلك فلم يكن اللهُ تعالى ليُيَسِّرَ للإنسانِ أن يعلمَ من وقائعِ الوجودِ وأحداثِه وظواهرِه ما ليس له صلةٌ بحسابِه يومَ القيامة. وهذه حقيقةٌ تُعينُ على تبيُّنِ الكيفيةِ التي يتوجَّبُ على الإنسانِ أن يتعاملَ مع الوجودِ بمقتضاها. فالوجودُ لم يخلقه اللهُ تعالى حتى يكونَ للإنسانِ أن يأملَ بأن يُحيطَ بخفاياهُ وخباياهُ وغوامضِ أسرارِه كلِّها جميعاً! فذلك أملُ مَن لم يُدرِك ما جُبِلَ عليه الإنسانُ من محدوديةِ عقلٍ ظنَّ الكثيرُ منا أن بمقدورِه أن يَسَعَ السماواتِ والأرضَ علماً وفِقهاً وفهماً لكلِّ ما يجري فيهما! على أنَّ ذلك لا ينبغي أن يجعلَنا نشتطُّ فنقولُ ما يقولُ به العابثون الذين يزعمون أنَّ الكونَ قد خُلِقَ عبثاً! فاللهُ تعالى خلقَ السماواتِ والأرضَ بالحق خلقاً لن نستطيعَ يوماً أن نَقدِرَه حقَّ قدرِه، ولن يكونَ بوسعِنا أن نُحيطَ بشيءٍ من ظاهرِه، إلا إن نحن أقررنا بدايةً أنَّ هذا الكونَ ما كانت لتقومَ له قائمةٌ لولا أنَّ اللهَ تعالى قد أقامَها على أساسٍ من “ثوابتَ” لا مناصَ منها ولا محيصَ عنها ولا قدرةَ لمخلوقٍ على الإفلاتِ من مُحكَمِ قبضتِها. فـ “ثوابتُ الكونِ” هذه ينبغي أن تكونَ هي “ثوابتُ العلمِ” كما هي “ثوابتُ العقل”.
ولقد جاء قرآنُ اللهِ العظيم ليُذكِّرَ الإنسانَ بهذه الثوابتِ كلِّها جميعاً وليكشفَ له النقابَ عن حقيقةٍ حريٌّ به أن يُقِرَّ بها ويعملَ بمقتضاها. وهذه الحقيقةُ هي أنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يُسلِّطَ على “ثوابتِ الكونِ” ما يحولُ دونَ تسلُّطِها على وقائعِ الكونِ وظواهرِه وأحداثِه. فاللهُ تعالى سلَّطَ المعجزاتِ والكراماتِ وخوارقَ العاداتِ على الكونِ تسليطاً جعلَها لا تتقيَّدُ بثوابتِه. وهذا التسليطُ الإلهي قد جعلَ للمعجزاتِ والكراماتِ وخوارقِ العادات “ثوابتَ أخرى” هي غيرُ ثوابتِ الكون، وذلك من دون أن تطغى ثوابتُ على ثوابت. وهذا هو ما ينبغي علينا أن نتبيَّنَه بشأنِ ما ينبغي أن يكونَ عليه كلٌّ من العقلِ والعلم تواضعاً لله وإقراراً بأنَّ الأمرَ كلَّه للهِ الذي خلقَ “ثوابتَ الكونِ” وغيرها من الثوابت التي ما كان للمعجزاتِ والكراماتِ وخوارقِ العادات أن تحدثَ من دونِها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s