الكونُ وظواهرُ “كُن فيكون”

يُخبِرُنا القرآنُ العظيم بأنَّ اللهَ تعالى، الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيام، قادرٌ إذا ما أرادَ شيئاً أن يقولَ له “كُن فيكون”. فاللهُ تعالى كان بمقدورِه أن يخلقَ السمواتِ والأرضَ بلمحِ البصر، وذلك بأن يقولَ لهما “كُن فيكون”. والأمرُ ليس لنا حتى نجادلَ في خَلقِ السمواتِ والأرض فنقولَ “لماذا خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيام ولم يخلقهما بلمح البصر”! فاللهُ، الذي هو “أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَه”، هو أدرى بالعلةِ من وراءِ ذلك.
ولقد أوردَ لنا القرآنُ العظيم قصةَ سيدِنا عيسى عليه السلام مثالاً على قدرةِ اللهِ تعالى على أن يخلقَ ما يشاءُ وذلك بأن يقولَ له “كُن فيكون”. ولنا أن نُقدِّرَ ما أَولاهُ القرآنُ العظيم من عظيمِ اهتمامٍ بهذه القصة الجليلة، إذا ما علمنا أنَّ عبارة “كن فيكون” وردت في القرآنِ العظيم ثمانيةُ مرات، أربعةٌ منها في سياقِ الحديث عن الخلق الإعجازي لسيدنا عيسى عليه السلام، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (116- 117 البقرة).
2- (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (47 آل عمران).
3- (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران).
4- (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (35 مريم).
ولقد وردت العبارةُ الجليلة “كُن فيكون” ثلاثَ مراتٍ في سياقِ حديثِ اللهِ تعالى عن بعثِه للموتى يومَ القيامة :
1- (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ. إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (38- 40 النحل).
2- (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (77- 83 يس).
3- (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73 الأنعام).
وإذا كانت العبارةُ الجليلة “كن فيكون” قد وردت أربعَ مراتٍ في سياقِ الحديثِ عن الخلقِ الإعجازي لسيدِنا عيسى عليه السلام، وثلاثَ مراتٍ في سياق الحديثِ عن البعث يوم القيامة، فإنَّ اللهَ تعالى قد أوردَ هذه العبارةَ الجليلة مرةً واحدةً في سياقٍ مطلَقٍ غيرِ محدَّدٍ، عامٍّ شاملٍ، وذلك للتدليلِ على أنَّه تعالى قادرٌ أنَّى يشاء على أن يقولَ لأيِّ شيءٍ يُريدُه في الأرضِ أو في السماء “كن فيكون”: (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (68 غافر). وهنا لابد من التذكيرِ بأنَّ من تجلياتِ هذه الآيةِ الكريمة كلَّ ما هو ذو صلةٍ بالمعجزاتِ والكرامات وخوارقِ العادات ذاتِ الصلةِ بدينِ اللهِ تعالى.
أختمُ هذا المنشور بالتذكير بحقيقةٍ مفادُها أنَّ اللهَ تعالى خلقَ هذه الحياةَ الدنيا، وبثَّ فيها قوانينَه التي كفَّلها التعليلَ لوقائعِها وأحداثِها وظواهرِها، وأنَّه تعالى قادرٌ أنى يشاء على أن يتدخَّلَ تدخلاً مباشراً في سيرورةِ هذه الوقائعِ والأحداثِ والظواهر، وذلك بأن يتسلَّطَ عليها بالقولِ للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”، وإن كان في ذلك ما يتعارض مع هذه القوانين! فيكفينا أن نستذكرَ أنَّ السيدةَ مريم عليها السلام حملت بسيدِنا عيسى عليه السلام بتدخُّلٍ إلهي مباشر يتعارضُ تمامَ التعارضِ مع القانون الإلهي الذي بمقتضاه أوجبَ اللهُ تعالى ألا يتحققَ حملٌ لأنثى إلا بوساطةِ ذكر!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s