هل الإنسانُ كائنٌ عاقِل؟

مَن الذي أشاعَ فينا أنَّ الإنسانَ “كائنٌ عاقل”؟
يرجعُ الفضلُ في ذلك إلى علماءِ أصلِ الإنسان الذين، وفي مسعىً خائبٍ من جانبهم لصياغةِ تسلسلٍ تاريخي لتطوُّر الجنس البشري، قاموا بإطلاقِ تسمياتٍ على الكائناتِ التي ظهرت قبلَ الإنسانِ الحالي، من قبيل “إنسان جاوة”، و”إنسان نياندرتال”، وغير ذلك من التسميات التي تفتقرُ كلُّها جميعاً إلى ما يجعلُها صائبةً، وذلك لأنَّ الإنسانَ لم يظهر إلى الوجود إلا بظهور الإنسانِ الأول (أبو البشر آدم عليه السلام).
وهكذا فلقد أطلقَ هؤلاءِ العلماء على أولِ ظهورٍ للإنسانِ كما نعرفه تسمية “الإنسان العاقل” Homo Sapiens. وكلمة Sapiens في اللغة اللاتينية تعني “العاقل”، “الحكيم”، “العارف”، “العالِم”. وبذلك فلقد أرسى علماءُ أصل الإنسان الأساسَ الذي بنى عليه مَن جاءَ بعدهم صرحَ المعبد الذي شرَّعَ لشرعةِ تعظيمِ وتمجيدِ الإنسان من قِبَل أولئك الذين تغافلوا عن حماقاتِه وجهالاتِه كما يُجلِّيها واقعُ حالِه وما وصلَ إلينا من ماضي أفعالِه على مرِّ العصور وتعاقُبِ الدهور! ولقد انضمَّ إلى هؤلاءِ المتعبِّدين في محرابِ الإنسان- الإله نفرٌ ممَّن جعلوا من أنفسِهم أوصياءَ على دينِ اللهِ تعالى فخرجوا علينا بمقولاتٍ، ما أنزلَ اللهُ تعالى بها من سلطان، تفوحُ منها رائحةُ هذا التأليهِ للإنسانِ والتعظيمِ لعقلِه! فالإنسانُ عندهم هو أعظمُ مخلوقاتِ اللهِ، وهو خليفةُ اللهِ في الأرضِ؛ وكيف لا يكونُ كذلك وهو الذي، في نظرِهم، قد حباهُ اللهُ تعالى بعقلٍ يفيضُ علماً وحكمة؟! ولكن عن أيِّ عقلٍ وعن أي حكمةٍ يتحدَّثُ هؤلاء الذين أعماهم هذا العشقُ للإنسان- الإله؟! فهل الإنسانُ كائنٌ عاقلٌ حقاً؟
يتكفَّلُ القرآنُ العظيم بتقديمِ الإجابةِ الشافيةِ على هذا السؤال، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُون) (170 البقرة)، (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (من 171 البقرة)، (وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (من 103 المائدة)، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ) (42 يونس). فكيف يكونُ الإنسانُ “كائناً عاقلاً” إذا كان قرآنُ الله العظيم يشهدُ لأكثرِ الناسِ بأنَّهم لا يعقلون؟!
ليس هذا فحسب، ولكنَّ قرآنَ الله العظيم يُنبئُنا بأنَّ الإنسانَ “ظلومٌ جُهول” (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (من 72 الأحزاب). وهذا هو عينُ ما نصَّت عليه الآيةُ الكريمة 111 من سورة الأنعام (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ علماءَ أصلِ الإنسان، ومن سارَ على نهجهم من الذين لم يتديَّنوا التديُّنَ الحق بدينِ اللهِ الحق، لم يقدِروا الإنسانَ حقَّ قدره إذ وصفوه بأنه “كائنٌ عاقل”! فلو أنَّ الإنسانَ كائنٌ عاقل، هل كانت الأرضُ ليُصيبَها ما أصابَها من شرٍّ وبيل وفسادٍ عظيم على يدَيه؟! ولو أنَّ الإنسانَ كائنٌ عاقل، فلماذا قال اللهُ تعالى فيه: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (116 الأنعام.)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s