لماذا لا يُمكنُ للطبيعةِ أن تكونَ هي الله؟

يُفاخِرُ العلمُ بأنَّه قد أزاحَ عن كاهلِ الإنسانِ عبئاً ثقيلاً، وذلك بما جاءنا به من تصورٍ للوجودِ لا نضطرُّ معه إلى القولِ بأنَّ لهذا الوجودِ إلهاً يُملي علينا ما ينبغي وما لا ينبغي! فالعلمُ يريدُنا أن نشتريَ بضاعتَه، ونتقبَّلَ أوهامَه، وأن ندينَ بالتالي بدينِه الذي إلهُهُ هو الطبيعةُ التي تتكفَّلُ قوانينُها بتفسيرِ كلِّ شيء فلا حاجةَ لنا إلى افتراضِ “كيانٍ غيبي” مثل “الله” لتجريَ الوقائعُ، وتحدثَ الأحداثُ، بقوَّتِه ومدَدِه!
ولقد خُيِّلَ للعلمِ أنَّ الأمرَ قد استتبَّ له بهذا الذي خرج به علينا من تصوُّرٍ لهذا الدين الزائف، ولهذا الإله الضِّرار! فالطبيعةُ لا يمكنُ على الإطلاق أن تكون هي الله، وذلك لأنَّ هناك من أحداثِ الوجودِ ما لا يتوافقُ مع النظامِ الذي تعملُ بموجبِه الطبيعة؛ هذا النظامُ الذي فرضَه العلمُ على الطبيعةِ فقيَّدها به وجعلها أسيرَتَه، بينما تأبى هذه الوقائعُ والأحداثُ أن تمتثلَ وتنصاعَ لهذا النظام الذي ظنَّ العلمُ وتوهَّمَ أنَّ بمقدورِه أن يُخضِعها له كما أخضعَ الطبيعةَ له!
إنَّ تمنُّعَ الكثيرِ من وقائعِ وأحداثِ الوجود على “نظامِ العلمِ” هذا لهو دليل قاطع بأن هذه الوقائعَ والأحداث إنما تخضعُ لسلطانِ كيانٍ آخر متسلِّط على الوجودِ وعلى الطبيعةِ وعلى العلمِ، وعلى العقلِ الذي أنتجَ هذا العلم! وفي هذا المنشورِ سوف أكتفي بإيرادِ ملمَحٍ واحدٍ من ملامحِ استعصاءِ الوجودِ على “نظامِ العلم” الذي خُيِّلَ للعلمِ أنَّ بمقدورِه أن يفرِضَه على ظواهرِ الوجودِ كلِّها جميعاً! فلو كان الأمرُ للعلمِ، ولنظامِه، وللطبيعةِ التي اصطنعها وفرضَ نظامَه هذا عليها، لكانت الحياةُ كما نعرفُها على الأرض منتشرةً في الكونِ من أقصاه لأقصاه، ولما كانت هذه الأرضُ هي المحلُّ الوحيد لتجلِّيها!
إن اقتصارَ انتشارِ الحياةِ كما نعرفها على أرضِنا هذه، لهو الدليل القاطعُ بأنّ الطبيعةَ لا يمكنُ أن تكونَ هي الله! فمحدوديةُ انتشارِ الحياةِ كما نعرفها تقطعُ بأنَّ انتشارَها هذا كانت العلةَ من ورائه تدخلٌ مباشرٌ من لدن كيانٍ متسلطٍ على الوجودِ قادرٍ على أن يُنفِذَ مشيئتَه ويُمضيَ إرادته أنى يشاء. فاللهُ تعالى هو هذا الكيانُ الذي شاَءت إرادتُه أن يخلقَ الحياةَ كما نعرفها على أرضنا هذه، قادرٌ على أن يجعلَ انتشارَها هذا مقتصراً عليها وعلى ما شاءَ أن يُماثلَها في احتواءِ الحياةِ كما نعرفها. فإن تعذَّرَ على العلمِ أن يُحيطَ بانتشارٍ للحياةِ خارجَ أرضِنا هذه، فما ذلك إلا لأنَّ مَن خلقَ هذه الحياةَ هو اللهُ الذي يخلقُ ما يشاءُ. فالأمرُ للهِ وليس للعلم حتى يكونَ للطبيعةِ، كما اصطنعها العلمُ، أن تقولَ كلمتَها. فأيُّ إلهٍ هذا هي هذه الطبيعةُ التي تقفُ عاجزةً عن إمضاءِ إرادتِها؟! وأين هي قدرةُ هذه الطبيعة التي يريدُنا العلمُ أن نتعبَّدَ لها ونَدينَ بدِينها وهي التي لا تستطيعُ أن تنشرَ الحياة كما نعرفها خارجَ أرضنا هذه؟
إن اقتصار انتشار الحياة كما نعرفها على أرضنا هذه، لهو البرهانُ على أن الطبيعةَ لا يمكنُ أن تكونَ هي الله الذي حالَ عدمُ تدخُّلِه المباشر دون أن يكونَ بمقدورِ “الطبيعة” أن تجعلَ الحياةَ، كما نعرفها، تنتشرُ خارجَ أرضِنا هذه انتشاراً يُمليه ويفرضُه ويُحتِّمُه “النظامُ” الذي فرضَه عليها العلمُ بما تأتَّى له أن يُحيطَ به من قوانينِ الوجود ظناً منه بأنَّها قوانينُ الوجودِ كلُّها جميعاً!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s