الإنسان كما يراهُ القرآن

لا يجدُ المُغالون في تعظيمِ الإنسانِ ما يستدلُّون به على هذا الذي ذهبوا إليه من قولٍ في الإنسانِ ما أنزلَ اللهُ به من سلطانٍ إلا مقاربةً غيرَ موفقةٍ لما جاءتنا به سورةُ الإسراء في الآية الكريمة 70 منها (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). فهذه الآيةُ الكريمة تُذكِّرُ بَني آدم بعظيمِ فضلِ اللهِ تعالى عليهم، وبإكرامه لهم، وإفضالِه عليهم بما لم يتفضَّل به على كثيرٍ من خَلقه. كما أنَّ هذه الآيةَ الكريمة لا تمتدحُ الإنسانَ كما يظنُّ ويتوهُّمُ المُغالون فيه، بل وعلى العكس من ذلك، فإنها تشيرُ إلى هذا الذي يتميَّزُ به الإنسانُ من جحودٍ ونكرانٍ لعظيمِ فضلِ اللهِ تعالى عليه.
وهذا الجحودُ صفةٌ مُلازِمةٌ للسوادِ الأعظمِ من بَني آدم، والذين قال فيهم قرآنُ اللهِ العظيم: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (من 13 سبأ)، (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (من 78 المؤمنون)، (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (من 17 الأعراف).
والقرآنُ العظيم يتحدثُ عن الإنسانِ فيذكرُ خَلقَ اللهِ تعالى له في العديدِ من آياتِه الكريمة، ومنها: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (7 السجدة). كما ويتحدثُ القرآنُ العظيم عن الإنسان فيذكرُ صفاتِه وخِصالَه في آياتٍ كريمة لن يكونَ بالعسيرِ على مَن يتدبَّرُها أن يتبيَّنَ ما تتميَّزُ به نظرةُ هذا القرآنِ إلى الإنسان. فلم ترد في القرآنِ العظيم آيةٌ واحدة تذكرُ للإنسانِ خصيصةً واحدة يتمايزُ بها عن غيرِه من خَلقِ الله شرفاً وسمواً! بل، وعلى العكسِ من ذلك، فكلُّ الآياتِ الكريمة التي استفاضت وأسهبت في ذِكرِ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن غيرِه من خَلقِ الله، لم يرِد فيها من الصفات إلا ما هو سيءٌ قبيح مُشين. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة:
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب)، (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (9- 10 هود)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (من 34 إبراهيم)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (من 100 الإسراء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) (من 66 الحج)، (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) (49 فُصِّلت)، (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيض) (51 فصلت)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُون) (19- 23 المعارج)، (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (17 عبس)، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (6- 8 الانفطار)، (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي. كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(18)وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (15- 20 الفجر)، (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (6- 7 العلق)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (6- 8 العاديات)، (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (1-3 العصر)، (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) (66- 67 مريم)، (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (4 النحل)، (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (77 يس)، (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين) (16- 17 الحشر).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s