لماذا أَمَرَ اللهُ تعالى قَومَ سيِّدِنا موسى بأن يذبَحوا بقرةً بِعَينِها؟

نقرأُ في سورةِ البقرة أنَّ سيِّدَنا موسى قال لقومِه بأنَّ اللهَ تعالى يأمرُهم أن يذبحوا بقرة (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) (من 67 البقرة). فلماذا أمرَ اللهُ تعالى قومَ سيِّدِنا موسى بأن يذبحوا بقرةً بعينِها؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ جملةً من الحقائقِ القرآنية. فأنبياءُ اللهِ المُرسَلون عانَوا الأمَرَّين من قومِهم صدوداً وإعراضاً وتكذيباً وكَيلَ اتِّهاماتٍ تنوَّعت ما بين وصفٍ لواحدِهم بأنه ساحرٌ أو شاعرٌ أو كاهنٌ أو كذاب أو مجنون: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون) (52- 53 الذاريات)، (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (34 الأنعام)، (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (4 ص)، (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون) (36 الصافات).
ولم يكن سيدُنا موسى بِدعاً من الرُّسُل حتى يكونَ تعاملُ قومِه معه بأفضلَ مما عوملَ به مَن سبقَه، ومن جاء من بعده، من أنبياءِ اللهِ المُرسَلين على يدِ أقوامهم. ويكفينا في هذا السياقِ أن نستذكرَ ما جاءتنا به سورةُ الصف بهذا الخصوص (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) (من 5 الصف). ولقد تفنَّنَ القومُ في إيذاءِ سيدِنا موسى فبالغوا في تكذيبِه والتشكيكِ برسالتِه ومطالبتِه بين الحينِ والآخر بأن يأتيَهم بآياتٍ تؤكِّدُ صِدقَ ما يقولُ به وتُبرهنُ على أنَّه نبيُّ اللهِ المُرسَلُ إليهم حقاً. حتى جاءَ يومٌ ائتمَروا فيه على سيدِنا موسى فأسرُّوا في أنفسِهم ما ظنُّوا أنَّه سيكونُ الدليلَ الحاسِمَ على أنَّه ليس مُرسَلاً من عندِ اللهِ إليهم. فكان أن توافقوا على بقرةٍ بِعَينِها اختاروها لتكونَ مادةَ هذا الدليل الحاسم، وذلك بأن تعاهدوا على كتمانِ ما أسَرُّوه في أنفسِهم بشأنها من أنَّه لو كان مُرسلاً من عندِ اللهِ حقاً فسوفَ يأتيهم فيقولُ لهم إنَّ اللهَ يأمرُهم بأن يذبحوا هذه البقرةَ التي اختاروها.
ولقد حفظت لنا سورةُ البقرة التسلسلَ الذي جرَت بمقتضاهُ الأحداثُ كشفاً وتبياناً لهذا الذي أضمروه وأسَرُّوه وتعاهدوا على إخفائه بشأنِ هذه البقرة، حتى أبانَ لهم سيدُنا موسى عن وصفِها الدقيق الذي ميَّزها عن غيرِها من البقَر، فقالوا “الآن جئتَ بالحق”: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ. قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) (68- 71 البقرة).
ولكنَّ القومَ، وكعادتِهم، لم يجدوا في هذا الذي حدثَ فجاءَ حدوثُه متفقاً مع ما أسَرُّوه في أنفسِهم وأضمروه، فعادوا إلى سابقِ عَهدِهم من التكذيبِ والتشكيك في نبوةِ ورسالةِ سيدِنا موسى، وذلك بأن علَّلوا لما جاءَ به سيدُنا موسى من توصيفٍ دقيقٍ للبقرةِ التي ادَّارئوها وأخفوها، بأنَّ وصفها قد تسرَّبَ إليه عليه السلام بصورةٍ أو بأخرى. وهنا فاجأهم سيدُنا موسى بما أنبأه اللهُ تعالى به من خبر الرجلِ الذي قتلوه وأخفوا جثَّتَه ظناً منهم وتوهُّماً بأنَّ سيدَنا موسى لن يُعرِّفَه اللهُ بأمرِه. وهنا جاءت الضربةُ الإلهيةُ القاضية التي بدَّدت مزاعمَ القومِ وشتَّتت تشكيكَهم، وذلك بأن دلَّهم سيدُنا موسى على المكان الذي أخفوا فيه هذه الجثةَ، ليس هذا فحسب، ولكنه عليه السلام طلبَ منهم أيضاً أن يضربوا هذه الجثة ببعضٍ من لحمِ البقرةِ التي ذبحوها، فكان أن أعادَ اللهُ الرجلَ المقتول إلى الحياة آيةً منه تعالى تبرهنُ على قدرته على إحياءِ الموتى، ودليلاً قاطعاً بنبوَّةِ سيدِنا موسى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون) (72- 73 البقرة).
ولكنَّ القومَ، وعِوَضَ أن يتوبوا إلى اللهِ ويستغفروه، ضَلوا وزاغوا فأزاغَ اللهُ قلوبَهم وجعلَها قاسيةً “فهي كالحجارةِ أو أشدُّ قسوة” (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون) (74 البقرة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s