في معنى قولِهِ تعالى “فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا”

تشتملُ الكلمةُ القرآنيةُ الكريمة على معنىً يحدِّدُه السياقُ القرآني الذي ترِدُ خلاله، ولذلك تُخفِقُ “المقاربةُ القاموسية” لهذه الكلمةِ القرآنيةِ أو تلك، في كثيرٍ من الأحيان، في الوقوعِ على هذا المعنى. ومن ذلك، إخفاقُ هذه المقاربةِ في تحديدِ المعنى الذي تنطوي عليه الآيةُ الكريمةُ ٥ السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ). فالعبارةُ القرآنية “يُدبِّرُ الأمرَ” في هذه الآيةِ الكريمة، لا ينبغي أن يتِمَّ تدبُّرُها وفقاً لما تقضي به “المقاربةُ القاموسيةُ” لها، وذلك دون أخذٍ بنظرِ الإعتبار للسياقِ الذي ترِدُ خِلاله؛ هذا السياقُ الذي له وحدَه الكلمةُ الفصل في تحديدِ المعنى الذي تنطوي عليهِ هذه العبارة. فالمقاربةُ القاموسية الخالصة لهذه العبارةِ الجليلة سوف تنتهي بنا إلى الوقوعِ في محظورِ الظنِّ الواهمِ بأنَّها لا تختلفُ في شيءٍ على الإطلاق عن مثيلاتِها حيثما وردت في قرآنِ اللهِ العظيم!
فيكفينا أن نستذكرَ المواطنَ القرآنيةَ الأخرى التي وردت فيها العبارةُ الجليلة “يُدبِّرُ الأمر” حتى يتبيَّنَ لنا مدى جسامةِ الخطأ الذي أوقعتنا فيه مقاربتُنا القاموسية لها:
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (من ٣ يونس)، (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) (من ٣١ يونس)، (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (٢ الرعد).
فالعبارةُ الجليلة “يُدبِّرُ الأمرَ” في هذه الآياتِ الكريمةِ كلِّها جميعاً تشيرُ إلى اللهِ تعالى، وهذه الإشارةُ يؤكِّدُها تدبُّر السياقِ الذي ترِدُ خلاله.
قارن ذلك بموطنِ ورودِ هذه العبارةِ الجليلة في الآيةِ الكريمةِ ٥ السجدة أعلاه (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ). فإن نحن قُمنا بمقاربةِ هذه العبارةِ الجليلة دون أخذٍ بِنظرِ الإعتبار للسياقِ الذي تَرِدُ خلاله، فإنَّ الأمرَ سينتهي بنا لامحالة إلى القولِ بما يتعارضُ مع المعنى الذي تنطوي عليه هذه الآيةُ الكريمة؛ هذا المعنى الذي بالإمكانِ إيجازُهُ بالكلماتِ التالية: “يتكفَّلُ سيدُنا جبريل بتنفيذِ ما أوكلَه اللهُ إليه من تدبيرِ آياتِ القرآن من السماء إلى الأرض ليعرجَ بعدها إلى اللهِ في يومٍ كان مقدارُهُ ألفَ سنةٍ وفقاً لما تواضعنا عليه من حسابِ الأيامِ والسنين”. و”تدبيرُ الأمرِ” هنا يعني “إيصالُ آياتِ القرآن من عند اللهِ تعالى (أي من السماء) إلى قلبِ سيدِنا محمد صلى اللهُ تعالى عليه وسلم (أي إلى الأرض)”. ف “الأمرُ” في هذه الآيةِ الكريمة هو آياتُ القرآن، وذلك مصداق ما جاءتنا به سورةُ الطلاق في الآيتَين الكريمتين (ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) (من ٥ الطلاق)، و(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (١٢ الطلاق).
وبذلك يُصبِحُ بإمكانِنا الآن أن نتبيَّنَ المعنى الذي تنطوي عليه الآيةُ الكريمة ٦ السجدة (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). فسيدُنا جبريل هو الذي ينزِلُ بالقرآنِ من عندِ اللهِ تعالى على قلبِ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم يعرجُ بعدها إلى الله عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزِ الرَّحِيم.
إنَّ كونَ سيِّدِنا جبريل هو مَن “يُدبِّرُ الأمرَ”، وذلك امتثالاً منه عليه السلام لأمرِ اللهِ تعالى، لَيُذَكِّرُ بالملائكةِ الذين أوكلَ اللهُ تعالى إليهم تدبيرَ ما شاءَ من أمر، وذلك مصداقَ قولِهِ تعالى (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) (٥ النازعات)، وقولِه تعالى في ليلةِ القدر (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) (٤ القدر)، وقولِهِ تعالى في مَلَكِ الموت (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (١١ السجدة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s