في معنى قَولِهِ تعالى “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” وقَولِهِ تعالى “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ”

يجنحُ كثيرٌ منا إلى التعامُلِ مع النَّصِّ القرآني المقدس من دونِ أن يُراعيَ ما تقتضيهِ حُرمةُ هذا النَّصِّ من وجوبِ التقيُّدِ بحذافيرِ المعنى الذي ينطوي عليه دون مغالاةٍ أو مبالغةٍ في مَدِّ وتوسِعةِ حدودِ هذا المعنى، وبما يؤدي بالنتيجةِ إلى الوقوعِ على غيرِ ذي المعنى الذي قدَّرَ اللهُ تعالى لهذا النَّصِّ أن يشتملَ عليهِ حِجراً وحَصراً!
فإذا كان اللهُ تعالى قد أخبرَ ملائكتَه الكرام بأنَّه “جاعلٌ في الأرضِ خليفة”، على وجهِ التحديدِ والتخصيص، فكيف بلغَ الأمرُ بهذا البعضِ أن أطلقوا ما حدَّده اللهُ تعالى فعمَّموه وجعلوه يطالُ مَن ليس مشمولاً به؟!
فلقد قال اللهُ تعالى للملائكة “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” هو آدم عليه السلام. إلا أنَّ البعضَ ممَّن أُحضِرَت أنفسُهم الرغبةَ المحمومةَ في التسلُّطِ على رِقابِ العباد ومقاديرِ البلاد من الذين طابَ لهم أن يقوموا بتسييسِ دينِ اللهِ تعالى، ورضوا بالحياةِ الدنيا من الآخرة، أبوا إلا أن يُحمِّلوا قولَ اللهِ تعالى “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” ما لم يقدِّر له اللهُ تعالى أن يحتملَه فخرجوا علينا بمصطلح “الخلافة” وفَرضوه علينا فَرضاً خُيِّلَ إليهم معه أنَّه يؤهِّلُهم لأن يشرعوا بإعدادِ ما يقتضيه الأمرُ حتى يصِلوا على رقابِنا إلى السلطةِ فيتحكَّموا في حركاتِنا وسكناتِنا، وفي أقوالِنا وأفعالِنا، وذلك بحجةِ أنَّهم أوصياءُ اللهِ تعالى علينا وفقاً لما تُمليه وتوجِبُه هذه “الخلافةُ” المزعومة!!!
ولقد فات هؤلاء، الذين فاقَ عشقُهم لهذه الحياةِ الدنيا عِشقَ أباطرتِها وأكاسرتِها، أن يُدركوا بألا وجودَ هنالك في قرآنِ اللهِ العظيم لهذه “الخلافةِ” المزعومة، وأنَّ اللهَ تعالى هو مَن يجعلُ مَن يشاء خليفةً في الأرض، وأنَّ الأمةَ لو اجتمعت على قلبِ رجلٍ واحدٍ فنصَّبت مَن تشاءُ “خليفةً”، فإنَّ هذا لا يَلزمُ عنه وجوبُ أن يكونَ هذا “الخليفةُ” المزعوم مُنَصَّباً بأمرِ اللهِ تعالى. فاللهُ تعالى هو الذي جعلَ آدمَ في الأرضِ خليفة “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (من ٣٠ البقرة)، وهو الذي جعلَ داودَ خليفةً في الأرض “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ” (من ٢٦ ص)، وهو الذي يجعلُ من يشاء خلائفَ في الأرضِ وخلفاء: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) (من ١٦٥ الأنعام)، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (١٤ يونُس)، (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِين) (٧٣ يونُس)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) (من ٣٩ فاطر)، (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (من ٦٩ الأعراف)، (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (٧٤ الأعراف)، (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (٦٢ النمل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s