في معنى قولِ اللهِ تعالى “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”

يتجلَّى التجاسرُ على حُرمةِ قرآنِ اللهِ العظيم تجلِّيَهُ الأعظم على أيدي أولئك الذين طابَ لهم، وحلا في أعيُنِهم، “تسييسُ” كلامِ اللهِ تعالى حتى يَجيءَ معناهُ متوافقاً مع ما يعتملُ في صدورِهم من خبيثِ رغبةٍ في مناجزةِ أهلِ الدنيا حِرصَهم عليها، وانشغالَهم بها، وركونَهم إليها! وإلا فكيف تجرَّأ القومُ فتجاسروا على نصوصِ قرآنِ اللهِ العظيم حيوداً بها عن معناها الذي لم يأذن اللهُ تعالى بأن تنطويَ على غيرِه؟!
فإذا كان “أهلُ الذكر” هم أهلُ الكتاب الذين أنزلَ اللهُ تعالى عليهم توراتَه وإنجيلَه، فكيف يتجاسرُ هؤلاء “المُسيِّسون” لدينِ اللهِ تعالى على هذا التوصيفِ القرآني الذي اختصَّ اللهُ تعالى به أُناساً بِعَينهم حدَّدَهم فقصَرَ توصيفَه هذا عليهم حِجراً مُقيَّداً لا يُخالِطُهُ إطلاقٌ ولا يُمازِجُهُ تعميم؟!
إنَّ تدبُّرَ الآيتَين الكريمتَين الوحيدَتين اللتين وردَ فيهما هذا التوصيفُ القرآنيُّ الجليلُ “أهل الذكر”، كفيلٌ بأن يُبيِّنَ لنا “مقصوريَّتَه” التي حدَّدها اللهُ تعالى فجعلَها لا تغادرُ أهلَ الكتابِ على الإطلاق: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٤٣ النحل)، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٧ الأنبياء).
فاللهُ تعالى ألجأَ المُشكِّكين في نبوَّةِ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي إلهيةِ قرآنِهِ العظيم، من كفارِ قريشَ، إلى “أهلِ التوراة” و”أهلِ الإنجيل” حتى يتبيَّنَ لهم صِدقَ رسولِهِ الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الذي أنبأهم بأنَّ اللهَ تعالى ما كان ليُرسِلَ نبياً مُرسَلاً من الملائكةِ، وذلك كما كانوا يشترطون ليؤمنوا به صلى الله تعالى عليه وسلم.
وهذا الإلجاءُ إلى أهلِ الكتابِ هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيتَين الكريمتَين التاليتَين: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (٩٤ يونُس)، (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (٤٥ الزخرف).
فأهلُ الكتابِ كان لديهم من كتابِ الله ما هو كفيلٌ بأن يشهدَ بأنَّ سيدَنا محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم هو رسولُ اللهِ حقاً، وبأنَّ الكتابَ الذي أنزلَه اللهُ تعالى عليه مُنزَّلٌ منه حقاً: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (١٩٧ الشعراء)، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (٤٣ الرعد)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠ الأحقاف).
لقد جعلَ اللهُ تعالى الكتابَ الذي أنزلَه على “أهلِ الكتاب” شاهداً على صِدقِ رسولِهِ الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى إلهيةِ الكتابِ الذي أنزله عليه. وهذا تجلٍّ آخر من تجلياتِ كونِ القرآنِ العظيم معجزةً تشهدُ له بأنه لا يمكن أن يكونَ من عندِ غيرِ الله. فلولا أنَّ القرآنَ العظيم هو من عندِ اللهِ تعالى حقاً، هل كان أهلُ الكتابِ ليكونَ حالُهم معه هو ما فصَّلته وبيَّنته الآياتُ الكريمةُ التالية (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) (٥٢- ٥٣ القَصَص)، (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (١٩٩ آل عِمران)، (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (١٠٧- ١٠٩ الإسراء)؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s