مَن هو المقصودُ بخطابِ اللهِ تعالى “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”؟

يُخبِرُنا القرآنُ العظيم بأنَّ اللهَ تعالى قال للملائكة إنَّه جاعلٌ في الأرضِ خليفة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من ٣٠ البقرة). فمَن هو هذا الخليفةُ الذي ظنَّت الملائكةُ أنَّهُ سيُفسِدُ في الأرضِ ويسفِكُ الدماء؟ (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من ٣٠ البقرة).
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ ما أعقبَ هذه الآيةَ الكريمة من آياتٍ بيَّنت الأمرَ وفصَّلَتهُ وبما لا يحتملُ أيَّ حيودٍ عن المعنى الذي تنطوي عليه الكلمةُ القرآنيةُ “خليفة” في هذهِ الآيةِ الكريمة. إلا أنَّ أولئكَ الذين تملَّكهم الانبهارُ ب “الإنسان” تعظيماً له وتفخيماً هو ليس أهلاً لأيٍّ منهما، أبَوا إلا أن يُحمِّلوا الكلمةَ القرآنيةَ “خليفة” ما لم يُقدَّر لها أن تحتمِلَه، فزعموا أنَّ كلَّ إنسانٍ هو خليفةٌ طالما كان ابناً لآدمَ الذي جعلَه اللهُ في الأرضِ خليفة!
ولقد زادَ الأمرَ سُوءاً ما قامَ به نفرٌ من “المتديِّنين”، من عشاقِ الدنيا وعبيدِ زخرفِها وبهرجِها وزينتِها، من استدلالٍ فاسدٍ ظنُّوا أنَّه يُشرِّعُ لهذا الذي هُم عليه من شديدِ تَوقٍ إلى التسلُّطِ على البلادِ والعِباد، فخرجوا علينا بدعوى مفادُها أنَّ آيةَ “آدم الخليفة” هي “التأصيلُ القرآني” لسَعيهم المحموم إلى السلطة!
وبذلك فلقد برهنَ هؤلاءِ المتجاسرونَ على حرمةِ قرآنِ اللهِ العظيم على جَهلِهِم بآياتِ اللهِ تعالى، وعلى خروجِهم على نَصِّها الإلهي المُحكَم المُحدَّد، بهذا “التجويزِ” من جانبهم للذهابِ بعيداً في تفسيرِ الكلماتِ القرآنيةِ الكريمة، حتى وإن انتهى بهم الأمرُ إلى التصادُمِ مع جوهرِ الرسالةِ القرآنيةِ الخالدة؛ هذا الجوهرُ الذي يُوجِزُهُ قولُ اللهِ تعالى لسيدِنا موسى (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (١٥- ١٦ طه).
فالقرآنُ العظيم ما جاءنا ليُعينَنا على نسيانِ آخِرتِنا، وذلك على حسابِ انشغالِنا بهذه الحياةِ الدنيا التي يُريدُنا عُشاقُها، ممَّن لم يتديّنوا التديُّنَ الحق بدينِ الله الحق، أن نشتريَها بأُخرانا حتى نكونَ وقودَ مشاريعِهم السياسيةِ الفاشلة في هذه الحياةِ الدنيا، ووقودَ نارِ جهنم في الآخرة!
فمتى سندركُ أنَّ للكلمةِ القرآنيةِ الكريمة حُرمةً إن نحن لم نَقدِرها حقَّ قَدرِها عادَ ذلك علينا بكلِّ ما من شأنِهِ أن يزُجَّ بنا بعيداً عن نورِ قرآنِ الله لنتوهَ في دياجيرِ ظلُماتِ النفسِ والهوى؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s